
هل يمكن أن نرى قمة ثانية بين ترامب وبوتين؟
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
بقلم أيوب نصر
باحث في الشأن الأوراسي والفكر الجيوسياسي
بعد الآمال الكبيرة التي رافقت قمة ألاسكا بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترامب، والتي اعتبرها البعض النجم الساطع الذي سيستدل به للوصول إلى السلام والشعلة التي تضيء الطريق نحو إيقاف الحرب، بعد هذا كله بدأت هذه الشعلة تخفو نارها وينطفئ توهجها ، وبدأ ذلك النجم الوضيء يأفل، وتجلى كل هذا في إلغاء قمة المجر التي كانت ستجمع بين الرجلين، مما أسفر عن أزمة بينهما، وإن حاول الطرفان توريتها وعدم الإبانة عنها، وهنا يظهر التساؤل عن مستقبل العلاقات بين الدولتين، وهل يمكن أن تكون هناك قمة أخرى تجمع الزعيمين؟
وللجواب على هذا السؤال فإنه يجدر بنا العودة إلى ما كانت عليه العلاقات بين الدولتين في أيام إدارة جو بايدن، وخاصة في البدايات الأولى للحرب، حيث سعت إدارة بايدن سعيها وجدت جهدها في التقرب من الصين، بعدما فشلت في إقناع الدول العربية، المنتجة للنفط والغاز، بأن ترفع إنتاجاتها الطاقية، فاتجهت نحو الصين وأصرت على مسمى “الصين الموحدة”، كما حملت الثعلب هنري كيسنجر مشقة السفر إلى الصين، رغم ما عمله به الزمن وأحدثته فيه الأمراض والعلل، لعل التاريخ يعيد نفسه، ويتمكن من إقناع الصين أن تنأى بنفسها عن روسيا كما نأت بنفسها عن الإتحاد السوفياتي قديما، غير أن ثعلب الديبلوماسية، لم ينج هذه المرة.
ومع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، كان لزاما استغلال هذا الأمر لخلق اختراق في الأزمة الأوكرانية، خاصة أن ما يجمعه مع الرئيس الروسي من صداقة ومودة كان أساسا يمكن البناء عليه، سواء في إحداث اختراق في الأزمة الأوكرانية أو في استقطاب روسيا وعزل الصين، حتى يمكن للإدارة الجديدة التفرغ للحرب الاقتصادية مع الصين، غير أن الأحداث سارت على غير ما توقع كثيرون، واستعلنت الأزمة عن نفسها وظهرت بإلغاء قمة المجر بين الرئيسين الروسي والأمريكي، ثم بإفساد الولايات المتحدة القمة العربية الروسية بقمة شرم الشيخ، ثم ما قفي أثرها من تجريب روسيا لصاروخ 9M730 “بوريفيستنيك”، ومجيء الرد الأمريكي بالإعلان عن استئناف التجارب النووية. كل هذا وغيره جعل المزاج الترامبي يحيد عن روسيا نحو الصين، في محاولة للسير على خطى الإدارة السابقة وعزل روسيا باستقطاب الصين، والروس أحسوا ذلك من أنفسهم فكان رد فعلهم أن طار رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين إلى الصين.
وقد ذهب كثير، وإن قلت كل فلن تكون مبالغا، من أن ما فعله ترامب من تقديم تنازلات جمركية للصين بنسبة 10 في المئة كان هزيمة للولايات المتحدة، فأنت واهم إن ظننت ذلك وإنما هو ضمن خطة عزل روسيا، وإلا فيجب أن نعتبر ان السماح للمجر بشراء الطاقة الروسية هو أيضا ضرب من الهزيمة للولايات المتحدة، ولكن ذلك داخل ضمن التضييق على روسيا وعدم السماح لها بالانفراد بدولة مثل المجر وما تشكله هي وسلوفاكيا وصربية من أهمية جيوسياسية للجانبين (الروسي والغربي)، وهذا إنما يدل على تغير المزاج الأمريكي وتغير خططه من محاولة استقطاب روسيا واحتواءها إلى محاولة عزلها.
فحاليا وفي ظل هذه الظروف والتوجهات، والتصعيد الحاصل بين البلدين يصعب أن نرى قمة أخرى تجمع بين بوتين وترامب، إلا أن يحدث تعكر في الأجواء بين الولايات المتحدة والصين، أو لا تقدم الصين على خطوة في غير صالح روسيا، فهنا يمكن أن تبدأ الاستعدادات والتحضيرات لقمة تجمع الزعمين.
👍👍👍👍