آخر التحديثاتأبرز العناوينمقال الرأي

إيران على مفترق الطرق: استمرار النظام أم فوضى شاملة

الاستماع للمقال صوتياً

كاليفورنيا – مقال الرأي

بقلم الدكتور عبيد الله برهاني

يشهد الشرق الأوسط اليوم معادلة جيوسياسية معقدة تجعل أي خيار سهل بعيد المنال. إيران، سواء استمر نظامها الحالي أو انهار فجأة، تمثل تهديدًا جوهريًا لأمن المنطقة. فهي ليست دولة عادية تمر بأزمات اقتصادية وسياسية، بل نموذج استثنائي يجمع بين ثورة أيديولوجية وطموح إمبراطوري، وتناقضات اجتماعية عميقة، إلى جانب امتلاكها أذرع نفوذ تمتد من بيروت إلى صنعاء، ومن بغداد إلى دمشق..

السؤال الاستراتيجي ليس أيديولوجيًا، بل عملي: أيهما أخطر على المنطقة، استمرار النظام الإيراني أم انهياره المفاجئ؟ وما كلفة كل سيناريو على دول الجوار والاستقرار الإقليمي؟

أولاً: النظام الإيراني الحالي وتناقضاته البنيوية

الاقتصاد المرهق وفخ العقوبات: تعاني إيران أزمة اقتصادية طويلة الأمد نتيجة العقوبات الدولية، وسوء الإدارة، والفساد المؤسسي. فقدت العملة الوطنية أكثر من 90% من قيمتها خلال العقد الماضي، بينما يعاني المواطنون من تضخم يضرب الطبقات الوسطى والفقراء. ومع ذلك، يواصل النظام تمويل أذرعه الإقليمية على حساب التنمية الداخلية، محافظًا على أولوياته الجيوسياسية رغم الضغوط الاقتصادية.

التوتر الاجتماعي والكبت السياسي: تكشف انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022 عن فجوة عميقة بين المجتمع الإيراني والسلطة، حيث تخوض الأجيال الشابة صراعًا مباشرًا مع القيم الدينية بتفسيراتها الرسمية، في ظل قمع منهجي للحريات، ما يراكم احتقانًا قابلًا للانفجار في أي لحظة ما.

الملف النووي: سيف ذو حدين: يسهم البرنامج النووي في زيادة عزلة إيران الدولية ورفع احتمالات تصعيد عسكري معقد. التعامل مع البرنامج كورقة ضغط أدى إلى مسار تصاعدي قد ينتهي إما بتسوية دولية تقيد خيارات النظام، أو بمواجهة عسكرية تستهدف البنية التحتية الحيوية، مع تداعيات إقليمية كبيرة، خاصة بعد الهجمات الأمريكية–الإسرائيلية الأخيرة على مواقع استراتيجية إيرانية.

ثانياً: مخاطر استمرار النظام الراهن

الأذرع الإقليمية واستقرار مزوَّر: استندت استراتيجية إيران لسنوات إلى تصدير عدم الاستقرار عبر أذرعها الإقليمية في لبنان واليمن والعراق وسوريا، بدل الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى. هذا النموذج حول العديد من الدول إلى ساحات صراع بالوكالة، مع انهيار المؤسسات، وتهجير الملايين، وزيادة الفقر والتطرف.

التصعيد العسكري المباشر والحرب المفتوحة: منذ أواخر فبراير 2026، أدى التصعيد العسكري مع ضربات جوية أمريكية–إسرائيلية على مواقع استراتيجية داخل إيران، وردود إيرانية بصواريخ وطائرات مسيرة، إلى تحويل الصراع من حروب بالوكالة إلى مواجهة مفتوحة. هذه المواجهة تعزز هشاشة مؤسسات الدولة وتزيد المخاطر الإنسانية، مع موجات تهجير جديدة واتساع الفقر، وتشديد الانقسامات الاجتماعية والسياسية داخليًا وخارجيًا..

سباق التسلح وتوازن الردع: تصاعد قدرة إيران على الرد يزيد الإنفاق العسكري لدول الجوار، ويرفع دوافع القوى الإقليمية للحصول على قدرات مماثلة. الصراع الحالي أدى إلى حلقة جديدة من سباق التسلح المتسارع، مع تبادل الصواريخ والطائرات المسيرة، ما يعكس توازن ردع هشّ للغاية ويزيد احتمالات التحول إلى مواجهة شاملة إقليمية.

تمويل التطرف وزعزعة البنى الاجتماعية :امتد النفوذ الإيراني إلى أبعاد أيديولوجية تعمّق الانقسامات المذهبية والسياسية. مع تحول النزاع إلى حرب مباشرة، تتزايد الانقسامات داخل المجتمعات العربية، ويتسع نطاق التجنيد والتعبئة الأيديولوجية للجماعات المسلحة، ما يعمّق الهشاشة السياسية والاجتماعية ويضع دول الخليج وبلدان آسيا الوسطى أمام تحديات أمنية أشد حدة.

ثالثاً: مخاطر الانهيار المفاجئ

فراغ أمني واسع: تضم إيران أكثر من 85 مليون نسمة، وتمتلك حدودًا مع ثماني دول، وتحتوي على مكونات إثنية وطائفية متعددة. انهيار الدولة المركزية قد يخلق فراغًا أمنيًا سريعًا، يستغله قوى انفصالية ومجموعات مسلحة متباينة الولاءات، ما يؤدي إلى تفكك الدولة وصراع داخلي واسع، مع انعكاسات مباشرة على دول الجوار.

أزمة اللاجئين: انهيار الدولة قد يسبب موجة لجوء ضخمة نحو العراق، أفغانستان، تركيا، دول الخليج ودول البحر المتوسط، ما يضغط على البنى التحتية الهشة، ويغير التوازنات الديموغرافية، مضاعفًا التحديات الاجتماعية والسياسية.

مصير الترسانات النووية والعسكرية: فقدان السيطرة المركزية على الأسلحة والمواد النووية والصواريخ البالستية يعرضها للانتشار أو الوقوع بأيدي فاعلين غير دوليين، مهددًا الأمن الإقليمي والعالمي.

المصالح الإقليمية والتدخل الخارجي: انهيار إيران لن يخلق فراغًا ديمقراطيًا، بل سيشعل صراعًا محتدمًا بين روسيا، تركيا، دول الخليج، الولايات المتحدة، والصين، ما قد يتحول إلى حرب بالوكالة متعددة الجبهات، مع تأثير كبير على الاستقرار الإقليمي والدولي.

رابعاً: المعضلة الاستراتيجية

المعطيات الحالية لا تُسهل انتقالًا سلسًا للسلطة؛ فالمؤسسة العسكرية، ولا سيما الحرس الثوري، تُدير اقتصادًا واسعًا مرتبطًا بالنفوذ الإقليمي، ما يجعل أي إصلاح جذري تهديدًا مباشرًا لمصالحها. في المقابل، تبدو المعارضة الداخلية مشتتة وضعيفة التنظيم، وتفتقر إلى مشروع سياسي قادر على ملء فراغ السلطة. وعليه، تجد دول المنطقة نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التعايش مع تهديد مستمر يمكن احتواؤه، أو مواجهة انهيار عشوائي مفتوح على سيناريوهات غير محسوبة العواقب

خامساً: مقاربات التعامل مع الملف الإيراني

. الاحتواء الذكي أثبت فاعليته مقارنة بالحصار الشامل الذي غالبًا ما يقوّي الأنظمة من الداخل؛ إذ يقوم على تفاوض انتقائي، وضبط الأذرع الإقليمية، ودعم المجتمع المدني دون خطاب تدخل مباشر. وبالتوازي، يتطلب التعامل مع أي انهيار محتمل بناء منظومة أمن إقليمي جماعي، قائمة على التنسيق وبروتوكولات واضحة لاحتواء الفراغ الأمني.

خاتمة: السياسة الاستراتيجية لا تبحث عن حلول مثالية، بل عن إدارة متوازنة للمخاطر. إيران، ببقائها أو انهيارها، تمثل تحديًا معقدًا: استمرارها يعني اضطرابًا يمكن احتواؤه، بينما انهيارها قد يطلق فوضى واسعة. المطلوب هو احتواء التهديدات الحالية وبناء مسارات انتقال تقلل الخسائر وتحفظ استقرار المنطقة، خاصة مع التصعيد العسكري الأخير الذي يعيد تشكيل قواعد اللعبة

د. عبيد الله البرهاني

أكاديمي وكاتب سياسي أميركي من أصل أفغاني
زر الذهاب إلى الأعلى