آخر التحديثاتأبرز العناوينمقال الرأي

ما وراء الصواريخ والمُسيّرات: الاقتصاد يكتب سيناريو الحرب

الاستماع للمقال صوتياً

مونتريال – مقال الرأي

بقلم م. بسام أبوطوق

طال أمد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ورغم محاولات نظام الملالي المتكررة لتوريط بلدان الإقليم في أتون هذا الصراع عبر إطلاق الصواريخ والمُسيرات باتجاه دول الخليج العربي—بذريعة وجود قواعد أمريكية—إلا أن الأهداف ظلّت متباينة وعشوائية أحياناً. كما لم يتوانَ النظام عن تحريك أذرعه من “الحشد الشعبي” في العراق و”حزب الله” في لبنان لخلخلة التوازن المجتمعي مرة أخرى، وعلى العموم، لم ينجح الملالي في جر دول الخليج العربي إلى مربع الحرب رغم الضربات الموجعة، كما كان تأثير تمرد الحشد الشعبي على قرار القيادة السياسية في العراق ضئيلاً، بينما نجح هذا التحرش في لبنان لأسباب تتعلق بالتوازن الاجتماعي الهش والتركيبة السياسية القائمة على “الميثاقية والطائفية”. إن استطالة زمن الحرب تحمل مخاطر تتجاوز حدود المنطقة، وتتجلى اليوم بوضوح في أزمة مضيق هرمز، ما يعني أن توقف الحرب دون اتفاقية شاملة، سيكون بمثابة “تلغيم للأرض” دون خرائط هندسية ما يجعل الانفجار القادم مجرد مسألة وقت.

لا تنفجر الحروب في وجه التاريخ كصدفة عابرة، بل هي هندسة معقدة تتداخل فيها الأرقام بالمشاعر، والمصالح بالهويات. ومن خلال قراءة متأنية لتاريخ النزاعات البشرية، يمكننا صياغة معادلة ثابتة: “الاقتصاد هو المحرك، وسيكولوجية المشاعر القومية وأخواتها هي وقود هذا المحرك”. خلف كل طلقة رصاص، وخلف كل صاروخ أو مُسيرة، تقبع حسابات في غرف مغلقة تتعلق بـ “سلاسل الإمداد”، “مصادر الطاقة”، والمجالات الحيوية”. فالحرب في جوهرها وسيلة عنيفة لإعادة توزيع الثروة أو حمايتها؛ المحرك الاقتصادي هو الذي يحدد “أين” و”متى” تندلع الحرب، لكنه يظل “آلة باردة” لا تملك القدرة على حشد الجماهير. وهنا يبرز دور “وقود الهويات”؛ ولتحريك هذه الجماهير، يستدعي الزعماء السياسيون ترسانة الهويات الضيقة، إنها عائلة من الخراب تتناسل من رحم بعضها البعض: النزعة القومية (بمعناها العدواني لا التحرري)، وأختها المذهبية، وبنت عمها الإثنية. فالقومية الشعبوية تحشد الناس حول “الأرض واللغة”، والمذهبية تفتت المجتمعات من الداخل تحت غطاء “المظلومية”، والإثنية تلغي إنسانية الآخر بناءً على “الدم والجينات”؛ هذا الثلاثي هو الذي يجعل الملايين يحترقون بوقود العاطفة لتشغيل محركات لا يملكون مفاتيحها.

يخبرنا التاريخ أن “الوقود العاطفي” كان دائماً غطاءً للمحركات المادية، فلم يحشد “أجاممنون” ألوف الإغريق لحصار طروادة كرمى لعيون “هيلانة”، بل كان صراعاً للسيطرة على مضائق التجارة في بحر إيجة. تماماً كما لم تكن حروب أوروبا الدينية مجرد صراع لاهوتي، بل كانت ثورة أمراء طامحين لكسر الهيمنة المالية لروما والسيطرة على ثروات الكنيسة. وهنا تبرز خطورة أنظمة الاستبداد، فهي تتميز بقدرتها على خوض حروب مصيرية دون تأييد شعبي حقيقي. وفيما ينفخ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اليوم في نيران الحرب، نجد أن أسلافه من الزعماء الروس قد التقطوا هذه اللحظة إبان الحرب العالمية الأولى، فعارضوها بشدة معتبرين إياها حرباً إمبريالية بين حكومات استبدادية لا مصلحة للشعوب فيها.

يتجلى هذا التعقيد اليوم في المشهد الإيراني الأمريكي الاسرائيلي حيث تدور رحى حرب ضروس بالصواريخ والمُسيرات والتكنولوجيا الفائقة. ورغم استمرار الاغتيالات النوعية للقيادات الإيرانية، من لاريجاني إلى قادة الباسيج، إلا أن الحرب لم تضع أوزارها بسرعة كما كان يأمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إننا أمام أهم سؤال يطرح اليوم: متى تنتهي هذه الحرب؟ الإجابة تكمن في ثلاثة سيناريوهات محتملة: 

الأول هو “التجميد القسري” عبر تدخل قوى كبرى لفرض وقف إطلاق نار حين تصل التكلفة الاقتصادية لنقطة الانفجار العالمي، وهو مجرد تجميد للصراع لا حلاً نهائياً له. 

والثاني هو “حرب الاستنزاف الطويلة” على غرار الحرب العراقية الإيرانية، وهو سيناريو مرعب للدول التي تعاني أزمات اقتصادية وتعيش على مخزون شهور من الأساسيات.

 والثالث هو “الزلزال الداخلي” المتمثل في نهاية مفاجئة بسبب تغير سياسي داخل إيران ناتج عن ضغوط معيشية ونزوع ديمقراطي، وهو ما يطرح تساؤلاً حول مدى سماح الحرس الثوري بحدوث ذلك.

وسط هذا الضجيج، تظل قضية فلسطين هي الاستثناء الذي يقف فوق كل الحسابات الباردة. بالنسبة لنا نحن العرب على الأقل، لا تخضع هذه القضية لمعادلة “تضارب المصالح” أو “اللعب على أوتار المذاهب”، إنها صراع وهي الحالة التي يتوقف فيها التحليل ليتحدث ضمير التاريخ بوضوح الشمس.بين حق تاريخي وأرض مغتصبة وبين مشروع استيطاني إحلالي، صراع بقاء ووجود لا يقبل القسمة على اثنين، 

 إن الوعي بقرابة (القومية والمذهبية والإثنية) وفهم أطماع الاستبداد، هو الخطوة الأولى لحماية الأوطان من التحول إلى مجرد “حطب” في محرقة المصالح الدولية التي لا ترحم من يخطئ في حسابات الواقع.

بسام أبو طوق

مهندس وكاتب سوري - كندي مقيم في مونتريال
زر الذهاب إلى الأعلى