آخر التحديثاتأبرز العناوينإسرائيلإيرانمقال الرأي

الجنازة حامية والميت… عبثية الموت المجاني  

الاستماع للمقال صوتياً

مقال الرأي – البيت الأبيض بالعربية

مونتريال – م. بسام أبوطوق

الآن، وقد سكتت المدافع بعد التوقيع على هدنة بين الجانبين الأمريكي-الإسرائيلي من جهة، والإيراني من جهة أخرى، بدأت ماكينات السياسة في العمل، انطلقت المفاوضات، وبدأت تقديرات الربح والخسارة، ومحاولات تقييم ميزان القوى “المتجدد”. وفي هذه اللحظة بالذات، تبدو الفرصة سانحة ليعلو صوت الحكمة والإنسانية، لنقد هذه الحروب العبثية التي تضرب عرض الحائط بمنطق التطور الحضاري لجملة المجتمعات الإنسانية. . يعكس تاريخ الصراعات البشرية مفارقة محزنة، فرغم التطور التقني، لم يتغير جوهر الصراع بل تعاظمت كلفته فقط. في الماضي، كانت النزاعات القبلية تندلع حول “منهل ماء” أو مرعى، وكانت الأدوات بسيطة والموت محدوداً. اليوم، تطور هذا التنافس البدائي ليصبح صراعاً كونياً على “طرق الحرير” ومناطق النفوذ ومنابع الطاقة. لقد تحولت المناكفات النهرية إلى صدامات بالبوارج والمسيرات والصواريخ العابرة للقارات. 

لكن هذا التطور الهائل لم يواكبه تطور أخلاقي؛ فما زالت التضحيات الهائلة تُبذل من أجل أهداف “قبلية” في جوهرها، تخدم عطش أنظمة بعينها للسلطة، دون أي اعتبار لإنسان المنطقة الذي يدفع ضريبة هذه المغامرات من دمه ومستقبله. هنا يبرز المثل الشعبي العميق كأدق توصيف لهذا المشهد: “الجنازة حامية والميت كلب”. تُقام الجنازات السياسية الكبرى، وتُرفع الشعارات الرنانة عن “التحرير” و”المقاومة”، وتُحشد العواطف وتُسكب دماء الآلاف في “موت مجاني” لا يخدم قضية حقيقية. وحين ينجلي الغبار، نكتشف أن “المتوفى” —أي الهدف الفعلي لكل هذه الجلبة— لا قيمة له، أو هو مجرد ورقة تفاوضية في يد أنظمة ذات مصالح أنانية ضيقة، تبحث عن بقاء نفوذها وتسلطها بشعارات تخلو من المصداقية وتتغير بتغير الظروف، حيث الغاية تبرر الوسيلة. 

إنها جنازة حامية بضجيج صواريخها، لكن “الميت” الحقيقي هو الشعوب التي فُقدت، والقرار الوطني الذي اختُطف في عواصم عربية لصالح مشروع مذهبي مستبد، يستخدم الدين الإسلامي والمظلومية الشعبوية والقضية الفلسطينية كستار للتوسع ورفض الحلول المنصفة. إن ما يدعو للدهشة حقاً ليس فقط استمرار الأنظمة الاستبدادية وصمودها في وجه منطق التاريخ، بل هو إصرار الخاسرين على ارتداء “لباس المنتصرين”.

 في ميزان السياسة الرصين، لا يُقاس النصر بالضجيج الإعلامي أو القدرة على الصمود فوق الأطلال، بل بالنتائج التي تنعكس على حياة الشعوب وسيادة الأوطان. ولا ندري هل فقد نظام الملالي صوابه أو أنه حاول بكل خبث جرّ بلدان المنطقة إلى أتون الحرب بتوزيع الصواريخ والمسيرات عليها، إنما الواضح والجلي أن مساعيه باءت بالفشل والخسران، وزادت في قناعة حكومات المنطقة وشعوبها باستحالة التعايش مع هذه “العشبة السامة”. 

وما نراه اليوم من محاولة تصوير “الانكسار العسكري” الإيراني كنصر سياسي ليس إلا نوعاً من التخدير العاطفي، يستحضر التشبيه الساخر الذي أطلقه أحد أذرع النظام في لبنان: “شو ما صار انتصار”، حتى لو كان الثمن سحق الإنسان وتدمير منجزات البشر من بنية تحتية وفوقية بُنيت في سنين وتلاشت في لحظات.

 ولكن الضعف الذي ألمّ بنظام الملالي —مصدر هذه الشرور— يفتح نافذة تاريخية لاستعادة المنطق والحق ويقدم فرصة قد لاتعوض لإصلاح هذا النشاز في تطور البشرية .

 لقد أعاد العالم اكتشاف أهمية هذه المضائق الدولية وضرورة ابتداع منظومة عالمية حقوقية تصون حرية التنقل والمرور عبرها، وتأكديقيناً أن “الانتصارات” التي تُبنى على جثث الأبرياء هي هزائم أخلاقية بامتياز. حتى لو أُتيح للاستبداد الإيراني البقاء، فإن استمرار سياسته على نهجها سيجرد أي تأييد لها من مضمونه التحرري، ليصبح مجرد تشوق شعبي لرؤية عدو تاريخي يتألم.

 يوماً بعد يوم، نزداد قناعة وإدراكاً أن النصر الحقيقي يبدأ من احترام الإنسان وبناء الدولة الوطنية، لا من التباهي بصمود واهٍ فوق ركام المجتمعات المحطمة. كلمة أخيرة للمثقف العربي، سليل جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي وطه حسين، وغيرهم من رواد النهضة العربية: ما زال الوقت متاحاً للتمسك بمصلحة المواطن العربي الحر، والتخلي عن الاصطفاف خلف التخلف الطائفي والمذهبي الذي لا يورث إلا الخراب. إن دوركم هو الانحياز لكرامة الإنسان لا لخزعبلات المستبدين والمهرجين وفهمكم كفايه. 

بسام أبو طوق

مهندس وكاتب سوري - كندي مقيم في مونتريال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى