آخر التحديثاتأبرز العناوينمقال الرأي

بين العاطفية والواقعية السياسية: لماذا أصبحت العلاقات الدبلوماسية خيارًا استراتيجيًا؟

الاستماع للمقال صوتياً

 بروكسل – مقال الرأي 

بقلم ناصر عبدالله

منذ عقود طويلة، بقيت القضية الفلسطينية محورًا أساسيًا في وجدان الشعوب العربية والإسلامية، وكانت ولا تزال قضية عدالة وحقوق إنسان وأرض وهوية. وقد تحملت دول عربية عديدة أعباءً سياسية وإنسانية واقتصادية هائلة دفاعًا عن الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.

فالأردن تحمل العبء الأكبر بحكم الجغرافيا والتاريخ والديموغرافيا، ومصر لعبت دور الحصن السياسي والاستراتيجي في الدفاع عن القضية الفلسطينية وحماية الأمن القومي العربي، فيما ساهمت دولة الإمارات العربية المتحدة بمبادرات إنسانية وتنموية سخية لدعم الشعب الفلسطيني وتحسين ظروف حياته، كما حافظت دولة قطر على قنوات سياسية واقتصادية مؤثرة في الملف الفلسطيني، بينما اضطلعت المملكة المغربية بمسؤولية تاريخية من خلال رئاسة لجنة القدس والدفاع عن الهوية العربية والإسلامية للمدينة المقدسة. كذلك فإن تركيا، رغم مواقفها المعلنة الداعمة للقضية الفلسطينية، تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل، انطلاقًا من رؤية سياسية تعتبر أن التواصل والحوار لا يتعارضان بالضرورة مع دعم الحقوق الفلسطينية.

ورغم اختلاف الأساليب والأدوات، فإن جميع هذه الدول تجمعها علاقات وثيقة مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، كما أن كثيرًا منها تقيم علاقات دبلوماسية أو قنوات اتصال مباشرة مع إسرائيل، انطلاقًا من رؤية سياسية تعتبر أن الحوار قد يكون أحيانًا أكثر فاعلية من القطيعة.

وهنا يبرز سؤال منطقي ومهم:
إذا كانت العلاقات الدبلوماسية بين الدول تُنشئ قنوات اتصال مباشرة وتُسهّل تبادل وجهات النظر وتخفيف التوترات، فلماذا يُنظر إلى أي محاولة لبناء علاقة دبلوماسية مع إسرائيل باعتبارها تنازلًا مطلقًا، بينما تمارس دول عربية وإسلامية مؤثرة هذا النهج ضمن حساباتها الاستراتيجية؟

إن السياسة الحديثة لا تُدار بالعواطف وحدها، بل بالمصالح الوطنية، وحسابات الأمن والاستقرار، والقدرة على التأثير. فالدول التي اختارت فتح قنوات اتصال مع إسرائيل لم تتخلَّ بالضرورة عن دعمها للقضية الفلسطينية، بل سعت — من وجهة نظرها — إلى امتلاك أدوات تأثير جديدة تسمح لها بلعب دور أكثر حضورًا في الملفات الحساسة.

ومن الناحية التاريخية والدينية، فإن فكرة التعايش والحوار وإقامة الاتفاقات ليست أمرًا غريبًا عن الحضارة الإسلامية، بل هي جزء أصيل من النهج السياسي والدبلوماسي في الإسلام. فقد عقد الرسول محمد ﷺ بعد الهجرة إلى المدينة المنورة ما عُرف بـ “صحيفة المدينة” أو “دستور المدينة”، وهي اتفاقية تاريخية نظّمت العلاقة بين المسلمين واليهود وبعض القبائل العربية الأخرى داخل المجتمع الواحد.

وقد تضمنت الوثيقة مبادئ مهمة، من أبرزها التعايش السلمي، والتعاون في حماية المدينة، واحترام حرية الدين، وتنظيم الحقوق والواجبات بين جميع الأطراف. وكانت قبائل يهودية مثل بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة ضمن الأطراف المشاركة في هذه الاتفاقية.

إن استحضار هذه التجربة التاريخية يؤكد أن الحوار وإقامة العلاقات والاتفاقات السياسية لا يعنيان التخلي عن المبادئ أو الحقوق، بل قد يكونان وسيلة لحماية المصالح وتحقيق الاستقرار وتجنب الصراعات.

ومن المهم التأكيد أن إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل لا تعني التخلي عن الشعب الفلسطيني، ولا التنازل عن حقه المشروع في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفق القرارات الدولية ومبادئ العدالة والسلام. فالعلاقات السياسية بين الدول لا تُقاس بالشعارات فقط، بل بمدى القدرة على تحقيق نتائج ملموسة تخدم الاستقرار وتدعم فرص الحلول السلمية.

وقد قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجًا مختلفًا في السنوات الأخيرة، يقوم على فكرة أن السلام والانفتاح الاقتصادي والتعاون الإقليمي يمكن أن يخلق واقعًا جديدًا أكثر استقرارًا في المنطقة، مع الاستمرار في التأكيد على حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة وتحقيق تطلعاتهم المشروعة.

لقد أثبتت التجارب السياسية العالمية أن القطيعة الطويلة لا تؤدي دائمًا إلى الحلول، بينما يمكن للدبلوماسية الذكية أن تفتح أبوابًا للحوار، وتخفف من حدة الأزمات، وتمنح الدول مساحة أكبر للتأثير في القرارات الإقليمية والدولية.

إن اتخاذ موقف شجاع لا يعني التخلي عن المبادئ، بل قد يعني البحث عن وسائل جديدة أكثر واقعية لتحقيق الأهداف ذاتها. فالسلام ليس ضعفًا، والدبلوماسية ليست استسلامًا، وإنما هي فن إدارة المصالح وحماية الأوطان وخلق فرص الاستقرار للأجيال القادمة.

وفي عالم سريع التغير، أصبحت الدول تُقاس بقدرتها على بناء التوازن بين الثوابت الوطنية والانفتاح السياسي، وبين الدفاع عن الحقوق واستخدام أدوات الحوار والتأثير المباشر. ومن هنا، فإن أي نقاش حول العلاقات الدبلوماسية يجب أن يُدار بعقلانية وهدوء، بعيدًا عن التخوين والانفعال، لأن الهدف النهائي يبقى دائمًا خدمة الاستقرار الإقليمي، وحماية المصالح العربية، ودعم الشعب الفلسطيني.

ناصر عبدالله

عضو هيئة تحرير البيت الأبيض بالعربية
زر الذهاب إلى الأعلى