أميركا في عيدها الـ250..تبقى المبادئ وتتعاقب القيادات
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
مقال الرأي
بقلم ناصر عبدالله
بينما تحتفل الولايات المتحدة الأميركية بالذكرى الـ250 لتأسيسها، يقف العالم أمام تجربة سياسية وحضارية استثنائية أثبتت أن قوة الدول لا تُقاس بعمرها الزمني فحسب، بل بثبات مبادئها وقدرتها على تجديد نفسها. فعلى مدار قرنين ونصف من الزمن، تعاقب على البيت الأبيض رؤساء ينتمون إلى اتجاهات سياسية مختلفة، واختلفت الرؤى وتبدلت السياسات، لكن المبادئ التي قامت عليها الولايات المتحدة بقيت ثابتة، وفي مقدمتها الحرية، والديمقراطية، وسيادة القانون، واحترام كرامة الإنسان.
لقد أثبت التاريخ أن قوة أميركا لا تكمن في شخص رئيس أو إدارة، وإنما في قوة دستورها ومؤسساتها وإيمان شعبها بأن الحرية مسؤولية قبل أن تكون حقًا. ولهذا، ظل اسم الولايات المتحدة مرتبطًا، في نظر مؤيدي دورها العالمي، بالدفاع عن الديمقراطية، وحماية الحلفاء، وتعزيز الاستقرار الدولي.
فقد كان للولايات المتحدة دور بارز في الدفاع عن أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، ثم واصلت حضورها في مواجهة العديد من الأزمات الدولية، وأسهمت في تحرير دولة الكويت من الاحتلال العراقي، كما شاركت في عمليات عسكرية وسياسية في أفغانستان والعراق وسوريا وأوكرانيا، انطلاقًا من رؤيتها لحماية الأمن الدولي والدفاع عن الحرية، وإن كانت هذه الأدوار محل اختلاف في تقييمها بين الباحثين وصناع القرار.
ويظل الوجود الأميركي داخل حلف الناتو أحد أهم أعمدة الأمن الجماعي في العالم، ورمزًا لاستمرار الالتزام بالدفاع عن الحلفاء وصون الاستقرار الدولي. كما أن استمرار دور الولايات المتحدة داخل منظمة الأمم المتحدة يعكس إيمانها بأهمية العمل الجماعي والدبلوماسية الدولية والسعي إلى إحلال السلام في مناطق النزاع.
وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، تواصل الولايات المتحدة أداء دورها المحوري في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية. فقد أكدت التزامها بالدفاع عن أمن واستقرار دول الخليج العربي في مواجهة التهديدات الإيرانية، انطلاقًا من قناعتها بأن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن والاستقرار العالمي.
وفي القضية الفلسطينية، تواصل القيادة الأميركية دعم الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي يقوم على مبدأ الدولتين، بما يحقق قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، تعيشان في أمن وسلام، باعتبار ذلك الطريق الأكثر واقعية لإنهاء الصراع وتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط.
أما في ليبيا، فتواصل الولايات المتحدة، بالتعاون مع شركائها الدوليين، دعم المسار السياسي الرامي إلى استعادة مؤسسات الدولة، وترسيخ مبادئ الديمقراطية، وإجراء الانتخابات، وتعزيز الأمن والاستقرار، بما يمكّن ليبيا من استعادة مكانتها الطبيعية بين الأمم كدولة مستقرة وآمنة وفاعلة في المجتمع الدولي.
وعلى الصعيد العلمي والاقتصادي، كانت الولايات المتحدة ولا تزال منارةً للابتكار والتقدم. فقد احتضنت أفضل الجامعات ومراكز الأبحاث، وأسهمت في تطوير التكنولوجيا والصناعة والطب والطيران والفضاء، كما فتحت أبوابها أمام العلماء والباحثين والطلاب من مختلف دول العالم، وأسهمت في نقل المعرفة وتأهيل الكفاءات، بما في ذلك تدريب المتخصصين في مجالات الطيران المدني والعسكري والتقنيات الحديثة، لتصبح شريكًا رئيسيًا في مسيرة التنمية العالمية.
كما قامت العلاقات بين الشعب الأميركي وشعوب العالم، في كثير من جوانبها، على الاحترام المتبادل والتعاون الاقتصادي والعلمي والثقافي، وهو ما جعل الولايات المتحدة وجهةً لملايين المهاجرين والباحثين عن فرص النجاح والابتكار وتحقيق الأحلام.
إن الرؤساء يتغيرون، والإدارات تتبدل، والسياسات قد تختلف من مرحلة إلى أخرى، لكن المبادئ الأميركية التي قامت عليها الدولة منذ إعلان استقلالها بقيت راسخة، تنير الطريق لأجيال متعاقبة، وتؤكد أن قوة الأمم تكمن في ثبات قيمها ومؤسساتها، لا في الأشخاص الذين يتولون قيادتها.
وفي عيدها الـ250، تستحق الولايات المتحدة التقدير لما حققته من إنجازات في مجالات الديمقراطية والعلوم والاقتصاد والتكنولوجيا، ولما تؤديه، من منظور مؤيدي دورها، من دور في دعم الأمن الدولي والاستقرار العالمي. ويبقى الأمل أن تواصل قيادة الجهود الرامية إلى نشر السلام، وتعزيز العدالة، وترسيخ قيم الحرية وكرامة الإنسان، حتى يعيش العالم في مستقبل يسوده الأمن والازدهار والتعاون بين الأمم.
كل عام والولايات المتحدة الأميركية متمسكة بمبادئها، وكل عام تبقى الحرية والديمقراطية وسيادة القانون منارةً تهدي العالم نحو مستقبل أكثر سلامًا وعدالةً وازدهارًا.