
من الحرب إلى السياسة: البراغماتية في سوريا والعزلة في أفغانستان
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
كاليفورنيا – مقال الرأي
الدكتور عبيد الله برهاني
انطلقت كلتا التجربتين، السورية والأفغانية، من أتون صراعات طويلة ودموية، متوحدة في شعار التحرر من القهر وطلب السيادة. ومع ذلك، يفترق مسارهما عند محطة الحصاد ليقدما تناقضًا جيوسياسيًا مريرًا: ففي دمشق، ترجمت براغماتية سياسية بالغة الحذر الحرب الطاحنة إلى أداة لإعادة بناء حضور الدولة وتفعيل دورها على الساحة الإقليمية والدولية. وفي المقابل، تحول الانتصار العسكري المطلق لطالبان في كابول إلى عبء وجودي وعزلة خانقة، إذ بقيت أفغانستان أسيرة جمود ايدلوجيا داخلي وإهمال دولي، عاجزة عن ترجمة الظفر إلى شرعية أو انفتاح.
يكمن مفتاح هذا التباين المصيري في الخيارات الاستراتيجية العليا: لقد أعلت سوريا مصلحة بقاء الدولة والمؤسسات فوق الشعارات الأيديولوجية، فكسبت القدرة على المناورة والتكيف. أما طالبان، فاختارت الالتصاق بتفسير متشدد للعقيدة، متجاهلة ضرورات الجغرافيا السياسية ومتطلبات العصر. بهذا، شكلت البراغماتية السورية جسر العبور من الحرب إلى السياسة، بينما أفضت التجربة الأفغانية المتشددة في بعض الجوانب إلى تحويل النصر العسكري إلى عائق حال دون الانخراط الدولي.
جهود الانخراط ودور العواصم الإقليمية والدولية
لم يكن الانتصار العسكري لطالبان نهاية القصة، بل بداية مرحلة جديدة من التفاعلات الدولية والإقليمية، حيث سعت واشنطن بعد الانسحاب للحفاظ على نفوذها الاستراتيجي عبر تفاوض دقيق وفرض شروط على الإدارة الجديدة، محاولًة تنظيم الأطر الاقتصادية والسياسية والسيطرة على الأزمات المستقبلية. وقد أسهم فرض الحصار في تفاقم الوضع الإنساني وزيادة معاناة الشعب الأفغاني.
على المستوى الإقليمي، لعبت بعض العواصم العربية دورًا محوريًا في هذا المشهد. ساهمت دول الخليج، وعلى رأسها قطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، بمساعيها الدبلوماسية واستثماراتها ومواردها، في محاولة لتحقيق التوازنات الداخلية ودعم المشاريع الإنسانية والتنموية في أفغانستان. تمثل هذه الجهود خطوة بنّاءة تعكس اهتمامًا إقليميًا مستدامًا بضرورة تحقيق الاستقرار وتخفيف المعاناة عن الشعب الأفغاني، رغم البيئة المعقدة التي أفرزتها سياسات طالبان الداخلية والصراعات الإقليمية.
لقد شكّلت هذه التفاعلات بيئة مزدوجة التحديات للمواطن الأفغاني: قيود داخلية ناجمة عن سياسات الحكومة الجديدة، وتحديات خارجية مرتبطة بتوازنات المصالح الدولية والإقليمية المتضاربة. ورغم ذلك، بذلت العديد من الجهات الغربية جهودا ملموسة، بقيادة دبلوماسيين سابقين وأيضا الدكتور زلمي خليل زاد، و الأطراف الأفغانية المعتدلة، وعلى رأسها المنتدى الفكري لمستقبل أفغانستان بقيادة فاطمة الكيلاني، سعيًا منهم لانخراط أفغانستان في المجتمع الدولي وتأمين مصالح الأطراف المشاركة، مع التركيز على تخفيف المعاناة الإنسانية.
كما أظهرت التجربة أن الدول الخليجية تمثل عنصرًا رئيسيًا في دعم كابول، فهي تمتلك مفاتيح النفوذ والقدرة على الإقناع، مما يجعل من مشاركتها ضروريًا لأي مشروع إعادة بناء أو دمج أفغاني في المجتمع الدولي. وفي هذا الإطار، يمثل التواصل مع واشنطن وتنسيق الجهود بين الإدارة الأمريكية والدول الإقليمية خطوة مركزية لضمان تحقيق الاستقرار النسبي، وتوفير مساحة للحوار السياسي الداخلي، وتخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الشعب الأفغاني.
تمثل هذه المرحلة إعادة رسم السلطة والنفوذ في أفغانستان، حيث تتقاطع المساعي الدولية والإقليمية لحماية مصالح متعددة، مع بقاء المواطن الأفغاني في قلب التحديات الإنسانية والسياسية، ويبرز دور واشنطن والدول الخليجية في ضبط التوازنات وتمكين مشروع معتدل قابل للبقاء دوليًا.
براغماتية البقاء إلى عزلة النصر
تُجسّد التجربة السورية والأفغانية كيف تحدد الخيارات الاستراتيجية الداخلية والخارجية مصير الدولة بعد الصراع: البقاء الفاعل على المسرح الدولي أو الانزلاق إلى عزلة خانقة. ففي سوريا، أعطت براغماتية الدولة أولوية للمؤسسات والمصلحة الوطنية، مما مكّنها من إدارة التوازنات والتحالفات المعقدة، والحفاظ تدريجيًا على وجودها في المنظومة الإقليمية والدولية. أما في أفغانستان، فقد وضعت قيادة طالبان الشرعية ايديلوجيا فوق الواقعية السياسية، مع تجاهل متطلبات الجغرافيا السياسية وحقوق الإنسان، ما أدى إلى الجمود وفشل بناء علاقات مستقرة مع المجتمع الدولي، لتظل رهينة تقاطع المصالح الإقليمية والدولية.
تُظهر التجربة الأفغانية أهمية الدور الإقليمي والدولي في إعادة هندسة السلطة، إلا أن جهود واشنطن والدول الخليجية لدعم المشاريع الإنسانية والتنموية لم تُترجم إلى نجاح استراتيجي بسبب الجمود الداخلي. في المقابل، نجحت سوريا بمرونتها السياسية في استثمار الدعم الخارجي لتعزيز شرعية الدولة ودورها الإقليمي.
تكشف المقارنة العلاقة بين الواقعية السياسية والشرعية العقائدية، فبراغماتية البقاء السورية حافظت على استقرار الدولة ومكانتها، بينما عزلة النصر الأفغانية زادت من معاناة الشعب. فقد حولت سوريا نفسها إلى مشروع دولة يوازن بين المنطق السياسي والإقليمي، فأعادت بناء مؤسساتها الوطنية وأمنت حاضنة عربية ودولية متماسكة، بما في ذلك التعاون المحدود مع الدول الغربية، مما مكّنها من استعادة دورها الإقليمي رغم الأزمات.
أما أفغانستان، فقد بقيت تحت سلطة طالبان محاصرة بقيود أيديولوجية وجغرافية، إضافة إلى تأثير دول إقليمية حريصة، أبرزها باكستان وإيران، التي لا ترغب في رؤية أفغانستان مستقلة وقوية، مما أعاق أي انخراط دولي فعال. ويكمن الفارق الأساسي في قدرة النظام على الانتقال من موقع المواجهة الصلبة إلى التفاوض والتفاعل البنّاء مع الفاعلين الإقليميين والدوليين، كما فعلت سوريا، مقابل استمرار الحصار الأيديولوجي والسياسي على أفغانستان.
وختاما تؤكد التجربتان أن مصير الدولة بعد الصراع يتحدد بالخيارات الاستراتيجية: البقاء الفاعل عبر الواقعية السياسية والتفاعل البنّاء، أو الانزلاق إلى العزلة بفعل النهج العقائدي والجمود الداخلي. فبراغماتية سوريا مكنتها من إدارة التوازنات وتحقيق الشرعية وحماية مصالح شعبها، بينما قادت العقائدية طالبان إلى عزلة أفغانستان وتفاقم معاناة مواطنيها. وتظل الدروس واضحة: الدولة التي توازن بين مصالحها الداخلية وواقعية علاقاتها الدولية هي الوحيدة القادرة على الصمود، بينما يظل الإنسان الحلقة الأضعف في صراعات القوى الكبرى.
كان تحليلًا شيقًا وجميلًا. في الواقع، لم تتمكن أفغانستان من الاندماج في العالم، وشعبها يعاني. ولكن الآن، وبعد أن أُثيرت قضية باغرام، تفاقمت المشاكل مرة أخرى. نسأل الله أن يُمكّن أفغانستان من الاندماج في العالم.
جزيل الشكر والتقدير على المقال الرائع والشامل حول سوريا وأفغانستان
بسبب المرونة، شهدنا تغييرات كثيرة في سوريا خلال عام واحد تقريبًا، بينما لم نلحظ أي تغييرات في أفغانستان بسبب غياب المرونة.