آخر التحديثاتأبرز العناوينمقال الرأي

هل ترغب القوى العظمى حقًا في إيران ديمقراطية؟

الاستماع للمقال صوتياً

بقلم الدكتور عبيد الله برهاني

إيران ليست مجرد هرم سلطة، بل عقدة جيوستراتيجية ذات امتدادات إقليمية ودولية، ما يجعل أي تحول سياسي فيها يتجاوز الأبعاد الوطنية إلى التوازنات الدولية. مرحلة انتقالية مدروسة—سواء عبر ضغط عسكري أو دبلوماسي يمكن أن تفتح المجال لإعادة تموضع بنّاء، يعزز أمن المنطقة، استقرار الطاقة، ونظامًا إقليميًا أكثر انسجامًا مع القانون الدولي ومتطلبات المرحلة القادمة.

أولاً: البنية الإيرانية
الخطأ الشائع هو اعتبار النظام الإيراني كتلة واحدة، بينما هو في الواقع طبقات متداخلة ذات منطق بقاء وقدرة على التكيف.

ولاية الفقيه: كان عبئاً حتى على الحوزات الدينية التقليدية، وسقوطها اعلان بنهاية تجربة الإسلام السياسي الشيعي بصيغتها الحركية المعروفة.
الحرس الثوري: هو أخطر مكونات النظام؛ ليس جيشاً تقليدياً بل كارتيل اقتصادي وسياسي يُحكم قبضته على نحو 40% من الاقتصاد. تفكيك هذه البنية يستلزم عملية جراحية طويلة قد تمتد لعقود، وإلا تحوّل أفراده إلى أمراء حرب محليين يعقّدون أي انتقال سياسي سلس.
الهوية القومية: هي المتغير المستقل الذي سبق الجمهورية الإسلامية بآلاف السنين. الإيراني الرافض للعمامة الدينية قد لا يقبل الوصاية الخارجية، وأي بديل يُنظر إليه كوكيل للخارج سيواجه رفضاً شعبياً قد يُعيد إنتاج مشهد 1979 بصيغة قومية صرفة.

ثانياً: لغم القوميات وهشاشة الأطراف
إيران ليست دولة عرقية موحدة، بل فسيفساء قوميات قابلة للانفجار في غياب مركز قوة جامع. تمثل الأقليات الرئيسية الآذريون والأكراد والعرب والبلوش— أكثر من 40% من السكان، وتتمركز في مناطق بالغة الحساسية الاستراتيجية:
خوزستان (عربستان): خزان النفط والمياه الرئيسي في إيران، وأي اضطراب فيها قد يُشل الشريان الاقتصادي للبلاد بأسره.
كردستان وسيستان وبلوشستان: مناطق ملتهبة تاريخياً، وقد تتحول في حالة انهيار المركز إلى مناطق نفوذ لميليشيات عرقية، مما يُهدد وحدة الدولة ويفتح الباب لصراعات حدودية طويلة الأمد.
هذه الهشاشة الداخلية تجعل أي أزمة سياسية مركزية بذرةً محتملة لأزمة إقليمية متعددة الأطراف، تمتد تداعياتها إلى دول الجوار الحيوي.

ثالثاً: سيناريوهات المرحلة الانتقالية
الضربات الامريكية والإسرائيلية واستهداف القيادة قد تُسرّع الانهيار، لكنها لن تُفضي بالضرورة إلى تفكك فوري، بل إلى مرحلة انتقالية مضطربة تتشعب فيها أربعة مسارات محتملة:
الانهيار التدريجي: تفقد طهران السيطرة على المحافظات البعيدة وتتشظى الدولة إلى جزر أمنية يحكمها قادة الحرس المحليون. هو الأشد استنزافاً للمنطقة وأكثر السيناريوهات تكلفةً على المستوى الإنساني والأمني.
الانقلاب العسكري القومي: يُزيح ضباط الجيش رجالَ الدين ويُرسون نظاماً سلطوياً علمانياً، وهو الأقدر على الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة وقدراتها الاستراتيجية، وإن ظل بعيداً عن أي أفق ديمقراطي.
التسوية التفاوضية الكبرى: بعد الضربات والضغط المتراكم، يُجبَر بقايا النظام على تنازلات وجودية مقابل البقاء وانفتاح الأسواق. هذا يحوّل إيران من دولة ثورة إلى دولة وظيفية تُركّز على الاستقرار الداخلي والتنمية الاقتصادية.
المرحلة البراغماتية الانتقالية: تقود نخبٌ إصلاحية وبراغماتية داخل المنظومة مرحلة تحول مُدارة تتجنب الفراغ الكامل، مستعينةً بتسوية داخلية بين النخبة المتبقية على غرار التجربة الفنزويلية التي أبقت على مؤسسات الدولة رغم الأزمات المتلاحقة.

رابعاً: تداعيات الفراغ على القوى الكبرى
الصين والرهان المكلف: إيران هي البوابة الغربية لمبادرة الحزام والطريق؛ فتحوّلها بعيداً عن بكين يعني رهن أمن الطاقة الصيني للمزاج الأمريكي، وخسارة استثمارات بمليارات الدولارات بنيت على مدى عقود.
روسيا والتطويق الجنوبي: إيران الرئة العسكرية لموسكو وممرها الجنوبي الحيوي؛ فراغ السلطة في طهران يعني قطع ممر الشمال-الجنوب وتطويق روسيا من خاصرتها القوقازية الأكثر هشاشة.
واشنطن ومعضلة البناء: السجل الأمريكي في العراق وليبيا يُثبت أن واشنطن تُتقن إسقاط الأنظمة وتتعثر في بناء ما يليها. التحدي الحقيقي في إيران ليس إزاحة المرشد، بل احتواء 90 مليون نسمة من الانزلاق نحو الفوضى والنزوح الجماعي.

خامساً: إعادة رسم خارطة الإقليم
دول الخليج: ترى في تراجع النفوذ الإيراني فرصة تاريخية، لكنها تخشى الفوضى الجارة؛ إذ إن إيران المنهارة تعني قرصنة بحرية وتهديداً للملاحة في مضيق هرمز ونزوحاً بشرياً واسعاً نحو الضفة العربية.

تركيا والطموح التوسعي: أنقرة المرشحة الأولى لملء الفراغ في القوقاز وآسيا الوسطى، لكنها ستصطدم بإيران قومية ربما تكون أشد تصلباً في ملفات المياه والحدود مما كان عليه النظام الديني.

إسرائيل والانتصار المعقد: سقوط محور المقاومة حلمٌ استراتيجي إسرائيلي، غير أن تفتت الدولة الإيرانية قد ينقل الترسانة الصاروخية والطائرات المسيّرة إلى سوق سوداء لا يمكن ردعها بالوسائل التقليدية، مُفرِزةً تهديداً أشد تشتتاً وأصعب احتواءً.
سادساً: الفراغ الاستراتيجي — من يملؤه؟

الفراغ الذي سيخلفه النظام لن تملأه الديمقراطية بالضرورة. المتنافسون على الإرث كثر: رأس المال الصيني الباحث عن موطئ قدم في قطاع الطاقة، والطموح التركي للتمدد الإقليمي، والشركات الغربية المتعطشة للغاز الإيراني. بيد أن اللاعب الأكثر صموداً سيبقى الدولة العميقة الإيرانية، التي ستسعى إلى إعادة إنتاج نفسها تحت مسميات جديدة لحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية الراسخة، مهما تبدّلت الواجهات السياسية.

بين الحلم والكابوس، يبقى السؤال المركزي: هل ترغب القوى العظمى حقًا في إيران ديمقراطية مستقرة وقوية؟ الواقع يشير إلى العكس، إذ يُفضَّل أن تكون إيران ضعيفة بما يكفي لعدم التهديد، ومتماسكة بما يكفي لتجنب الفوضى، بهدف تحويلها إلى دولة محايدة ومحاصرة ومنزوعة القوة النووية والأذرع الإقليمية. المستقبل الإقليمي حتمًا سيشهد تحولات، والسؤال ليس «هل سيسقط النظام؟» بل «كيف تُدار تبعات الانفجار؟». الشعب الإيراني يستحق الحرية والكرامة، لكن المصالح الجيوسياسية غالبًا ما تسبق أحلام الشعوب، ويبقى التحدي: هل هناك إرادة دولية لبناء نظام جديد، أم مجرد رغبة في نظام أكثر انصياعًا</li>

د. عبيد الله البرهاني

أكاديمي وكاتب سياسي أميركي من أصل أفغاني
زر الذهاب إلى الأعلى