حقوق مدنيةديمقراطيات

تتّسع الرؤية وتضيق العبارة.. أين حقوقنا الإنسانية؟

م. بسام أبو طوق

الاستماع للمقال صوتياً

 

خلال دردشة بيني وبين ابنتي في جلسة هادئة، سألتني إذا كنت أرى أملاً في مستقبل البشرية ونحن نرى ما يقوم به جملة
المجتمعاتمن إفساد للبيئة وتدمير للطبيعة وبعثرة للقوانين الناظمة للحياة على سطح كوكبنا.
تسألني ابنتي: هل ترى حافزاً يدفعنا للاستمرار في التكاثر وإنجاب الأولاد وإعمار الأرض؟

ابنتي وهي في العشرينات من عمرها من الجيل الذي تفتحت مداركه وتجلت طموحاته مع بداية القرن الحالي، يعتريها الريب والشكوك في إمكانية استمرار الحياة البشرية وبالتالي في جدوى إنجاب الأولاد، وتجديد الحياة وديمومتها.
حاولت طمأنتها وإعادة الثقة إليها بأنه ليس صحيحاً أن الجماعة الإنسانية في انحدار، بل هي في صعود حضاري، تتابع تقدمها الفكري والثقافي والعلمي والصحي والتقني.

إن الحروب والمنازعات والاستبداد والفوضى والتعدي على الطبيعة والبيئة، إنما هي آثار جانبية لتطور المجتمعات البشرية وسعيها لتنظيم مؤسسات أممية وتشريعات عالمية، تحاصر هذه الآثار الضارة، وتحرص على تقليمها تأسيساً لاستئصالها.

إن عماد الحياة البشرية للدول والأمم والمنظومات العالمية ورأس هذه التشريعات هو شرعة حقوق الإنسان التي تعتبر
الخلاصة والتفسير لما أبدعه العقل الجمعي البشري منذ بدء الخليقة إلى الآن.

تتراوح هذه الحقوق بين الحق الأكثر جوهرية، وهو الحق في الحياة، والحقوق التي تجعل الحياة جديرة بأن تعاش، مثل الحق في الغذاء والتعليم والعمل والصحة والحرية. وبالتحصيل تتجلى حقوق الكرامة والرأي ومكافحة أشكال التمييز العنصري والتمييز ضد المرأة وحماية حق الطفل في الرعاية.

الهدف هو حياة أمن وعطاء وثراء، وهو جدوى هذه الحياة بجمعها البشري والإنساني وانعكاسه على باقي الأجناس الحية التي
التي تشاركنا العيش على هذا الكوكب.

لم يأت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1948، كأول وثيقة قانونية تحدد
حقوق الإنسان الأساسية تجب حمايتها عالمياً، لم يأت من فراغ؛ بل كان نتاج التعامل مع نتائج حربين عالميتين متتابعتين، دمرتا المجتمعات، وأهلكتا البشر، وحصدتا من الأرواح حصاد المناجل في حقول القمح الشاسعة، ثم انتهت بلا جدوى ولا فائدة.

لذلك حرص المشرعون الدوليون على حبك وربط هذه الحقوق الانسانية على مبدأ العالمية، وهو ما يعني بأن كل البشر متساوون في تمتعهم بهذه الحقوق، وهي غير قابلة للتصرف، لذا لا يجب حرمان أي شخص منها ،إلا في الحالات المحددة بالقوانين والمحاكم فهي حقوق متآزرة وغير قابلة للتجزئة. فالتقدم المنجز في مجال الحقوق المدنية والسياسية يشمل ممارسة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومقابل ذلك ينعكس انتهاك هذه الحقوق سلباً على العديد من الحقوق الأخرى.

لقد صادقت جميع دول العالم على قوانين حقوق الإنسان، وهي ملزمة بموجب القانون الدولي باحترام الحقوق وحمايتها رعايتها لتيسير التمتع بحقوق الإنسان الأساسية. ولكن .. “المسافة تكبر وتصغر، والواقع يتبدل ويتغير، بين التشريع والتطبيق، في دول المجتمعات البشرية عامة وفي دول الاستبداد والديكتاتورية خاصة”، ولمزيد من التخصيص أضيء على حالة حقوق الإنسان في عالمنا العربي.

ما زلنا في عالمنا العربي نعيش عهود الاستبداد والظلم، وكلما اتسعت رؤية الإصلاح والتقدم، ضاقت بها عبارة الفساد والتخلف.
ولا زالت الفئات الحاكمة والمتسلطة تجادل بأولوية الأمن والنظام علـى الحريات الديمقراطية، وبأن المجتمعات العربية غير مهيأة
لممارسة الديموقراطية الحقة بتعريفها لحكم الشعب لنفسه وبنفسه.

معنى التحول الديمقراطي ومبناه هو الإدارة السلمية للاختلاف، الأمر الذي يسمح بالتنوع والتعدد والرأي والرأي الآخر وتداول السلطة والحكم تحت سقف القانون والمشاركة الشعبية بتجلياتها السياسية من أحزاب وجمعيات ونقابات مهنية ..إلخ.
فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية هو ضمان الإدارة والمساءلة والمحاسبة، وهو الوقاية من احتكار السياسة وإلغاء الآخر، وطغيان الأكثرية على الأقلية، أو تعدي الأقلية على الأكثرية.

فماذا نرى في مجتمعاتنا العربية؟ تتزايد سيطرة وشمولية العسكرة على كافة نواحي ونشاطات المجتمع، وتنتشر وتعم الأفكار المتخلفة القروسطية، وتتلاشى إرهاصات الحداثة والتقدم. الفساد والطغيان والفشل يزيد من انفلات الأوضاع الأمنية والانهيارات المعيشية، ويدفع الى الاستسلام والخمود، والردود اليائسة المؤدية إالى موجات اللجوء والهجرة غير الشرعية.

فأين حقوق الإنسان جمعاً وافراداً، ونحن نرى مجتمعاتنا تعود إلى المربع الصفري. وأين هي مسؤولية الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والنخب الوطنية السياسية والاقتصادية في هذا المقام؟

بسام أبو طوق

مهندس سوري مقيم في البحرين
زر الذهاب إلى الأعلى