
الاستراتيجية الأميركية 2026: أفغانستان خارج “بؤرة الإرهاب”
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
كاليفورنيا – مقال الرأي
الدكتور عبيد الله برهاني
مثّلت استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب لعام 2026 تحولاً لافتاً في المقاربة الأمريكية تجاه أفغانستان والمنطقة، ليس فقط على مستوى اللغة والمصطلحات، بل أيضاً في إعادة تعريف طبيعة التهديد ومصادره الجيوسياسية. إذ لم تعد الوثيقة تتعامل مع أفغانستان بوصفها “المركز الحصري” للإرهاب العالمي، كما كان سائداً خلال العقدين الماضيين، بل أعادت إدراج التهديد ضمن إطار إقليمي عابر للحدود، يربط نشاط تنظيم داعش-خراسان ببيئة أمنية وجغرافية ممتدة من باكستان إلى آسيا الوسطى والشرق الأوسط.
ويعكس هذا التحول دلالات سياسية واستراتيجية عميقة، إذ يُجسد مراجعة أمريكية غير معلنة لعدد من السرديات التي حكمت مرحلة الحرب الطويلة في أفغانستان. فواشنطن، بعد سنوات من التركيز على أفغانستان باعتبارها المصدر الرئيس للتهديد، باتت تميل إلى الاعتراف—ولو بصورة غير مباشرة—بأن ظاهرة الإرهاب في المنطقة أكثر تعقيداً من أن تُختزل داخل حدود دولة واحدة، وأن بيئته الحاضنة تتشكل من هشاشة إقليمية، وتشابكات حدودية واستخباراتية، وصراعات نفوذ متداخلة عبر عدة دول.
ومن أبرز أبعاد هذه الاستراتيجية أنها تعكس تراجعاً نسبياً عن بعض المقاربات الإقليمية التقليدية التي سعت إلى تقديم أفغانستان كدولة فاشلة ومركز دائم للإرهاب. فقد وظّفت أطراف إقليمية هذا التصور في سياقات سياسية وأمنية ودبلوماسية موجهة نحو الغرب. إلا أن الاستراتيجية الجديدة، من خلال تناولها لداعش-خراسان بوصفه تهديداً إقليمياً، وتوسيعها نطاق التحليل ليشمل باكستان ومحيطها، كسرت عملياً احتكار سردية اختزال التهديد داخل الجغرافيا الأفغانية وحدها.
ومن الناحية الاستخباراتية، تعكس الوثيقة إدراكاً أمريكياً متزايداً بأن بنية داعش-خراسان لم تعد أفغانية خالصة، بل أصبحت شبكة متعددة الجنسيات والامتدادات، تتحرك عبر حدود رخوة ومجالات نفوذ متداخلة، مستفيدة من بيئات التوتر في أكثر من دولة. وبناءً على ذلك، لم تعد المقاربة الأمريكية ترى أن معالجة التهديد يمكن أن تتحقق عبر الضغط على كابول فقط، بل عبر مقاربة إقليمية شاملة تشمل مراقبة الحدود، وتجفيف مصادر التمويل، وتعقّب شبكات التجنيد والحركة عبر الإقليم بأكمله.
كما تكشف الاستراتيجية عن تحول في الأولويات الأمريكية بعد الانسحاب من أفغانستان، حيث لم تعد الولايات المتحدة تمتلك وجوداً عسكرياً مباشراً يمكّنها من إدارة المشهد الأمني من الداخل الأفغاني أو فرض روايتها السابقة، ما دفعها إلى تبني مفهوم “التهديد العابر للأقاليم” بدلاً من “الدولة الحاضنة الوحيدة”. ويخدم هذا التحول واشنطن أيضاً في إعادة توزيع أدواتها الأمنية والاستخباراتية في آسيا الوسطى والخليج والمحيط الهندي، بعيداً عن نمط التدخل العسكري المباشر.
أما بالنسبة لأفغانستان، فإن هذا التحول المفاهيمي يمنحها هامشاً نسبياً على المستوى السياسي والدبلوماسي لإعادة تموضعها أمام المجتمع الدولي. فغياب توصيفها الرسمي كمركز حصري للإرهاب يفتح المجال أمام مقاربات أكثر مرونة تتعلق بالاعتراف والانخراط الاقتصادي والتفاعل الإقليمي، كما يضعف بعض أدوات العزل الدبلوماسي السابقة. ومع ذلك، فإن ذلك لا يعني خروج أفغانستان من دائرة الاهتمام الأمني، إذ لا تزال الوثيقة تؤكد استمرار خطر داعش-خراسان وهشاشة البيئة الإقليمية المحيطة بها.
وعلى الصعيد الإقليمي، قد تُسهم هذه المقاربة في إعادة تشكيل بعض التوازنات السياسية. فباكستان ستواجه ضغوطاً متزايدة لإعادة النظر في سرديتها التقليدية حول كونها الضحية الرئيسة للإرهاب بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع. كما ستتعامل دول آسيا الوسطى بحذر أكبر مع محاولات اختزال التهديد في الجغرافيا الأفغانية وحدها، في ظل تبني الخطاب الأمريكي نفسه لمقاربة متعددة المصادر للتهديد.
وفي العمق، يمكن قراءة هذه الوثيقة باعتبارها إقراراً ضمنياً بأن المقاربة السابقة التي ربطت الإرهاب بدولة واحدة لم تعد كافية لتفسير تعقيدات المشهد الأمني. فبعد عقدين من الاستنزاف، تتجه الولايات المتحدة نحو خلاصة مفادها أن الإرهاب في هذه المنطقة هو نتاج بنية جيوسياسية مركبة، تتداخل فيها الصراعات الإقليمية، والتنافسات الدولية، والهشاشة الحدودية، والأزمات الاقتصادية، وتعدد الفاعلين غير الدوليين.
في ضوء هذا التحول، يمكن القول إن أفغانستان تدخل مرحلة جديدة من موقعها في الحسابات الدولية. فهي من جهة لم تعد تُصنَّف مركزاً حصرياً للإرهاب، وهو ما يخفف من حدة العزلة السياسية ويمنحها هامشاً أوسع للحركة الدبلوماسية والانفتاح الاقتصادي. ومن جهة أخرى، لم تُرفع عنها المخاوف الأمنية بالكامل، إذ لا تزال مرتبطة في الخطاب الأمريكي ببيئة إقليمية هشّة ومتشابكة التهديدات.
وبذلك، تتجه أفغانستان إلى موقع أكثر تعقيداً: فهي ليست “مركز الأزمة”، لكنها أيضاً ليست خارجها. بل أصبحت جزءاً من منظومة إقليمية أوسع لإدارة التهديدات، حيث يتوقف مستقبلها الاستراتيجي على قدرتها على إعادة تعريف دورها داخل هذه البيئة، والانخراط في ترتيبات إقليمية تقلل من مخاطر العزلة وتحد من توظيف أراضيها كساحة صراع بالوكالة.
إن استراتيجية 2026، في جوهرها، لا تعيد رسم خريطة التهديد فقط، بل تعيد أيضاً صياغة موقع أفغانستان داخل هذه الخريطة؛ من دولة مُختزلة في خطاب “المصدر”، إلى عقدة جيوسياسية ضمن شبكة إقليمية معقدة، وهو تحول ستكون له انعكاسات بعيدة المدى على مستقبل الأمن والاستقرار في جنوب ووسط آسيا.