
سيادة ‘الخارج’ وهشاشة ‘الداخل’: دروس السقوط من كاراكاس إلى طهران
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
مونتريال – مقال الرأي
بقلم بسام أبوطوق
عندما يتجه النظام السياسي إلى الاعتماد بصورة أساسية على الأجهزة العسكرية والأمنية لإدارة شؤون البلاد بدلاً من بناء الثقة مع المواطنين، فإنه يضعف سيادة الدولة ويجعلها عرضة للتدخلات الخارجية. الحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية والصواريخ والمسيرات بل باتت تتطلب شرعية داخلية وثقة شعبية قوية، حيث أن غياب هذه العناصر يحفز القوى الخارجية على التدخل.
شهدنا في حالات مثل فنزويلا أن الرئيس نيكولاس مادورو، الذي واجه اتهامات بشأن نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2024، اعتمد على حرس كوبي خاص بدلاً من الدعم الشعبي الداخلي، مما أثر على قدرة النظام في مواجهة التحديات. عندما اقتحمت القوات الأمريكية القصر الرئاسي لم يجدوا فنزويليا واحدا يرفع السلاح في وجوههم ما يعكس ضعف التأييد الشعبي، وسرعان ما استثمرت نائبته وباقي أركان نظامه في القبول الضمني الأمريكي بشرعيتهم الزائفة، لحماية مصالحهم وتحصيل ما يمكن تحصيله من أشلاء السفينة الغارقة، بينما ظل الشعب يعاني من التضخم والفقر، في بلد يعوم على بحيرة من النفط.
وفي ليبيا، أنفق الزعيم معمر القذافي ثروات البلاد في مشاريع خارجية غير متصلة بالمستقبل الوطني، سعياً لتحقيق مكاسب تاريخية شخصية، الأمر الذي أدى إلى نهاية مأساوية، دون تحقيق أهداف التوريث السياسي؛ وهو نموذج تكرر في المنطقة، باستثناء حالات محدودة مثل القائد (الخالد) حافظ الأسد لأسباب سياسية وتاريخية.
أما تجربة صدام حسين في العراق حيث تورط في حرب استنزاف دامت ثماني سنوات مع إيران، فقد أظهرت النتائج استنزافا عسكريا وسياسيا خلال هذه الحرب الطويلة، أهدرت ثروات البلدين بشرياً ومادياً دون طائل، ثم انتقل الى غزو الكويت ومحاولة ضمها، حيث أدت تلك السياسات إلى عزلة العراق وإضعاف قوته. لاحقاً، أصبح العراق أكثر عرضة للنفوذ الإيراني، وسقطت عدة عواصم من بغداد إلى دمشق وبيروت وصنعاء في المنطقة( وحتى غزة الى حد ما) تحت تأثير التبعية الايرانية السياسية، الأمر الذي أسهم في الانهيارات المستمرة التي نشهدها اليوم.
وتتجلى المأساة في أقسى صورها مع “وريث الصدفة والتفاهة” في سوريا، الذي آثر عقيدة “العائلة أو إحراق البلد”، ولم يكتفِ بتدمير حاضنته الشعبية وتحويلها إلى رهينة للخوف والحذر والإنكار، بل هرب في نهاية المطاف بما تيسر له من أموال منهوبة، تاركاً البلاد في حالة من الفوضى العارمة التي تحتاج إلى “صبر أيوب” للملمة جراحها، وإعادة قطار الدولة إلى سكته الوطنية التي انحرف عنها منذ عسكرة السياسة في أواخر الخمسينيات.
وبالتوازي، نتابع الآن حلقات الفشل القيادي في إيران وتهاوي “استراتيجية الأذرع”؛ حيث يحاول ما تبقى من القيادة المجنونة الهروب إلى “حافة الهاوية” بإشعال الإقليم واستهداف دول الجوار لكن هذا الرقص على النصال لا يعكس قوة، بل هو محاولة بائسة لتحويل “سقوط النظام” إلى “فوضى شاملة”.. هنا تحول مفهوم “الممانعة” من حماية السيادة إلى رهن مقدرات أمة لصالح برنامج نووي مدمر لا فرصة له للحياة. وعندما كانت الآمال معقودة على التغيير الشعبي، حطّم عناد النظام موجات المظاهرات العقدية التي تكسرت كالزبد على صخرة قمع “الباسيج”والحرس الثوري، لتكون نهاية الدكتاتور على يد عدوه الوجودي وبطائرة واحدة.
إن تحليل تعرض رموز هذه الأنظمة للتصفية أو الإسقاط لا يعني أبداً تأييد الحرب أو الغزو الخارجي؛ بل هو موقف يعبر عن الأسف لأن سقوط الديكتاتور وأركانه يتم على أيدي جنود وصواريخ ومسيرات غريبة، طبعا نستثني سوريا حيث قامت قوى محلية بإطلاق المعركة الاخيرة لإسقاط النظام ودفع الدكتاتور الوريث وزبانيته للهرب خارج البلاد.
تكمن الفرصة التاريخية الضائعة الآن في أن يكون التغيير صنيعة أبناء الوطن. فالتغيير الداخلي هو الوحيد الذي يضمن استعادة البلد لصالح عناصره الديمقراطية والوطنية الحية ونخبه المثقفة، بدلاً من الارتهان لأجندات الغزاة.
تقف إيران اليوم أمام استحقاق الجغرافيا؛ فالدولة التي بُنيت على قمع القوميات تواجه احتمالات التفكك إلى أصولها الطبيعية من أذريين وبلوش وأكراد وعرب الأحواز، وسقوط المركز في طهران يعني عودة الهويات الأصلية، ما سيترك الوكلاء في المنطقة في حالة “يُتم استراتيجي” وانكشاف سيادي كامل. ووسط هذا الركام، يبرز “تمني” عراقي مشروع بأن يكون انهيار المركز في طهران لحظة انعتاق لبغداد، وتجفيف منابع “الدولة الموازية” لاستعادة هيبة الدولة الوطنية، ليعود العراق جسراً للربط التجاري لا ساحة بريد للرسائل الصاروخية، ويستعيد الثقل المرجعي في النجف ريادته بعيداً عن ثيوقراطية “قم”.
إن إنقاذ الأوطان يبدأ من الداخل، فالسيادة الحقيقية لا تُستورد بل تُنتزع من صناديق الاقتراع، ومن اشتراك المواطن في تأكيد حريته وكرامته وحقه في إدارة البلاد مباشرة أو وفق عقد اجتماعي واضح الحقوق والواجبات بين الحاكم والمحكوم، والنظام الذي يغلق أبواب البرلمان في وجه شعبه يفتح ثغرات في حدود الوطن ليدخل منها الغزاة؛ والتاريخ لن يرحم الهاربين بأموال شعوبهم، والسيادة التي لا يحرسها رضا المحكومين هي سيادة وهمية تسقط عند أول مواجهة حقيقية.
سلمت يداك على هذا المنشور استاذ بسام العزيز
توصيف عميق وصادق وحقيقي قد ببن الاسباب الخقيقية للواقع المزري الذي وصلت إليه الدول العربية
ويخشى على باقي الدول العربية ان تصل لمثل هذا الواقع إذا لم يفهم ويتعظ حكامها مما حصل في الدول التي ذكرتها وان يغيروا سلوكهم مع شعوبهم كي لاتنهار هذه الدول … وفي سوريا يجب اخذ العبر ايضا”ان مصلحة الشعب وحقوقه الحياتية اولا ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب بالإنتخابات للبناءالصحيح للدولة وعلى اسس متينة لايؤثر بها اي إهتزاز خارجي وان نتلافى نقمة الشعب بسبب وزاراء لايعرفون ولايفهمون كيف يديرون وزاراتهم لمصلحة الشعب