آخر التحديثاتأبرز العناوينرسالة المحرّر

مبادرة الصين في الشرق الأوسط: طموح بعيد.. وفجوة التنفيذ!

الاستماع للمقال صوتياً

فصل المقال

رسالة محرّر #البيت_الأبيض_العربية 

يحمل المقترح الذي طرحه الرئيس الصيني شي جين بينغ بشأن بناء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط رسالة تتجاوز حدود المبادرة الدبلوماسية التقليدية. فالنقاط الأربع التي طرحها في مصر ترسم رؤية صينية لإعادة تنظيم الأمن الإقليمي، تقوم على أن تتولى دول الشرق الأوسط إدارة شؤونها، ورفض التدخل الخارجي، ومعالجة أزمات المنطقة بصورة شاملة، وربط الأمن بالتنمية، وتعزيز دور الأمم المتحدة والقانون الدولي.

لكن من المهم التمييز بين الرؤية والتنفيذ. فالصين تستطيع تقديم إطار سياسي جذاب، واستخدام ثقلها الاقتصادي وعلاقاتها المتنامية مع دول المنطقة للوساطة وبناء الثقة، كما تستطيع توظيف موقعها كعضو دائم في مجلس الأمن وشريك تجاري رئيسي. غير أن تحويل هذا التصور إلى هيكل أمني إقليمي فعلي يتطلب أكثر بكثير من المبادرات الدبلوماسية والاستثمارات الاقتصادية.

فالأمن في الشرق الأوسط يرتبط بتوازنات عسكرية معقدة، وبصراعات مزمنة، وبحسابات دول إقليمية متنافسة، فضلًا عن استمرار الوجود العسكري الأميركي. كما أن بناء نظام أمني جديد يتطلب استعداد الأطراف الإقليمية لتقديم تنازلات وقبول قواعد مشتركة، وهو أمر لا تستطيع بكين فرضه.

وتبرز هنا نقطة جوهرية: الصين لا تعرض بديلًا عسكريًا كاملًا للمظلة الأميركية. فهي لا تملك في المنطقة شبكة التحالفات والقواعد والقدرات العسكرية التي تمتلكها واشنطن. ولذلك فإن قوة المبادرة الصينية تكمن أساسًا في المجال السياسي والاقتصادي والدبلوماسي، لا في القدرة على توفير ضمانات أمنية عسكرية مماثلة لتلك التي توفرها الولايات المتحدة لبعض حلفائها.

وفي المقابل، فإن تأكيد شي أن القضية الفلسطينية هي «جوهر قضية الشرق الأوسط» يمنح الرؤية الصينية وزنًا سياسيًا لدى الدول العربية، ويعكس رغبة بكين في تقديم نفسها كطرف أكثر حضورًا في قضايا المنطقة. لكن الانتقال من هذا الموقف السياسي إلى تسوية فعلية للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي سيشكل اختبارًا حقيقيًا للنفوذ الصيني.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، تكمن أهمية المبادرة في أنها لا تعلن صراحة إقصاء واشنطن، لكنها تشكك في النموذج الذي استند إليه النظام الإقليمي لعقود: الأمن الذي تقوده قوة خارجية. وإذا نجحت الصين تدريجيًا في جعل الحوار والتنمية والوساطة عناصر مركزية في إدارة أزمات المنطقة، فإن نفوذ واشنطن قد يتراجع سياسيًا حتى من دون انسحاب عسكري أميركي.

الصين لا تحتاج بالضرورة إلى إزاحة الولايات المتحدة عسكريًا من الشرق الأوسط كي توسع نفوذها. يكفي أن تصبح شريكًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا وسياسيًا لا تستطيع دول المنطقة تجاهله.

لذلك، ينبغي قراءة مبادرة شي باعتبارها مشروعًا طويل الأمد لإعادة تشكيل البيئة السياسية للشرق الأوسط، وليس خطة أمنية جاهزة للتنفيذ. وهنا تحديدًا تكمن الفجوة بين الطموح والواقع: قدرة الصين على صياغة رؤية جديدة تتقدم أسرع بكثير من قدرتها الحالية على توفير الأدوات الأمنية والسياسية اللازمة لتنفيذه.

فصل المقال: قد لا تعني المبادرة الصينية نهاية الدور الأميركي في الشرق الأوسط، لكنها تشير بوضوح إلى أن بكين تريد الانتقال من دور المستثمر والشريك التجاري إلى دور “المؤثر” في صياغة النظام الإقليمي المقبل.

مرح البقاعي

مستشارة في السياسات الدولية، صحافية معتمدة في البيت الأبيض، ورئيسة تحرير منصة .’البيت الأبيض بالعربية’ في واشنطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى