
الخليج بين الصبر الاستراتيجي مع إيران والشراكة المميزة مع واشنطن
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
نحو توازن إقليمي جديد متعدد الشراكات
بقلم: الدكتور عبيد الله برهاني
تواجه دول الخليج العربي مرحلة دقيقة تتداخل فيها اعتبارات الأمن الوطني مع التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط. فمن جهة، تحافظ هذه الدول على شراكة استراتيجية وأمنية وثيقة مع الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى، تسعى إلى إدارة علاقتها مع إيران عبر الحوار وخفض التصعيد وتجنب المواجهة المباشرة. ولا تعكس هذه السياسة تناقضاً، بقدر ما تعبر عن محاولة واقعية لإدارة المخاطر وحماية المصالح الوطنية.
يمكن وصف النهج الخليجي تجاه إيران بـ «الصبر الاستراتيجي»، وهو لا يعني التساهل مع مصادر التهديد، وإنما تفضيل الاحتواء والحوار عندما تكون كلفة المواجهة أعلى من مكاسبها المحتملة. فدول الخليج تدرك أن أي صراع واسع مع إيران لن يقتصر على المجال العسكري، بل قد يمتد إلى الطاقة والتجارة والملاحة والبنية التحتية والاستقرار الاقتصادي.
في المقابل، تظل الولايات المتحدة الشريك الأمني الأكثر تأثيراً في الخليج. فالتعاون الدفاعي، وتبادل المعلومات، والدفاع الجوي والصاروخي، والأمن البحري، والقدرة على الردع، كلها عناصر تمنح واشنطن دوراً يصعب على أي قوة أخرى أن تحل محله في المدى المنظور. ولذلك تمثل العلاقات الخليجية ـ الأمريكية أحد أعمدة الاستقرار الإقليمي.
ومع ذلك، لا تريد دول الخليج أن يكون أمنها قائماً على الاعتماد الكامل على قوة خارجية واحدة. ولهذا اتجهت إلى تنويع الشراكات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية مع الصين والهند وتركيا وباكستان وأوروبا وغيرها. ولا ينبغي تفسير هذا التوجه باعتباره ابتعاداً عن واشنطن، بل باعتباره تعزيزاً للقدرة الخليجية على المناورة وتوزيع المخاطر.
القدرات الخليجية: من الاعتماد إلى تقاسم المسؤولية
لا يرتبط مستقبل الأمن الخليجي بقوة الشراكة مع الولايات المتحدة فقط، بل بقدرة دول الخليج أيضاً على تطوير قدراتها الدفاعية والمؤسسية. فالشراكة الأكثر استدامة تقوم على تقاسم المسؤولية والأعباء؛ بحيث توفر الولايات المتحدة قدراتها المتقدمة في الردع والدفاع والاستخبارات والأمن البحري، بينما تعزز دول الخليج قدراتها الوطنية في حماية الحدود والمنشآت الحيوية والبنية التحتية والمجالين الجوي والبحري.
ومن هذا المنظور، فإن بناء القدرات الخليجية لا يمثل بديلاً عن الدور الأمريكي، بل يجعله أكثر فاعلية واستدامة. وكلما أصبحت دول الخليج أكثر قدرة على حماية أمنها، أصبحت الشراكة مع واشنطن أكثر توازناً، وانتقلت من مفهوم الحماية إلى مفهوم الشراكة في الأمن. من الخليج الأمريكي إلى الخليج متعدد الشراكات
الخليج يتجه من الاعتماد على شريك واحد إلى تعدد الشراكات. ستبقى الولايات المتحدة شريكاً أمنياً أساسياً، مع تنويع العلاقات مع الصين والهند وتركيا وباكستان وأوروبا. وتسعى السعودية والإمارات إلى تحقيق التوازن وحماية الاقتصاد، بينما تعزز قطر وعُمان دورهما في الوساطة، لتصبح الدبلوماسية أداة للأمن والاستقرار الإقليمي
ويظل مضيق هرمز محوراً أساسياً في هذه المعادلة. فالمضيق ليس مجرد ممر بحري خليجي، بل نقطة استراتيجية ترتبط بأمن الطاقة والتجارة العالمية. ولذلك فإن ضمان حرية الملاحة يمثل مصلحة مشتركة لدول الخليج والولايات المتحدة والقوى الاقتصادية الكبرى. وفي الوقت نفسه، تبرز أهمية تطوير البدائل اللوجستية وخطوط الطاقة والموانئ لتقليل المخاطر الناتجة عن الاعتماد على ممر استراتيجي واحد.
أما إيران، فتواجه معادلة معقدة؛ فهي تسعى إلى حماية مصالحها ونفوذها الإقليمي، لكنها تدرك أن استمرار التوتر يفرض تكاليف اقتصادية وسياسية كبيرة. ومن هنا تبرز أهمية القنوات الدبلوماسية والوساطة الإقليمية في تقليل احتمالات سوء التقدير ومنع تحول الأزمات المحدودة إلى مواجهة واسعة.
ولا تبدو دول الخليج راغبة في أن تكون طرفاً مباشراً في أي حرب أمريكية ـ إيرانية، لكنها في الوقت نفسه لن تتجاهل التهديدات التي تمس أمنها وسيادتها. ولذلك يبدو الردع الدفاعي مع إبقاء باب الحوار مفتوحاً من أكثر الخيارات واقعية.
ومن المرجح أن تتجه المنطقة نحو أحد ثلاثة مسارات: تفاهمات تدريجية تخفف التوتر، أو استمرار المنافسة والردع دون حرب شاملة، أو عودة التصعيد في حال فشل المسارات الدبلوماسية. ويظل السيناريو الثاني، أي إدارة التنافس مع الحفاظ على قنوات الاتصال، من أكثر المسارات قابلية للاستمرار، لأن جميع الأطراف تتحمل كلفة عالية لأي حرب إقليمية طويلة.
الخاتمة: صناعة التوازن الخليجي
في نهاية المطاف، لا يقف الخليج أمام خيار بسيط بين واشنطن وطهران، وإنما أمام مهمة أكثر تعقيداً: كيف يحافظ على أمنه، ويعزز شراكته مع الولايات المتحدة، دون أن يتحول إلى ساحة لصراعات الآخرين؟
فالولايات المتحدة ستظل، في المدى المنظور، ركناً أساسياً في منظومة الأمن الخليجي، بما تمتلكه من قدرات عسكرية وتقنية واستخباراتية وبحرية لا يمكن تعويضها بسهولة. وفي المقابل، يظل الحوار مع إيران ضرورياً لإدارة المخاطر، بينما يمنح تنويع الشراكات الخليجَ مساحة أوسع للمناورة الاستراتيجية.
ومن هنا، فإن قوة الخليج لن تقاس فقط بالثروة أو القدرات العسكرية، بل بقدرته على تحويل الشراكات إلى توازن، والتوازن إلى استقرار، والاستقرار إلى تنمية مستدامة.
إن الخليج لا يحتاج إلى القطيعة مع أي طرف، كما لا يحتاج إلى الارتهان لطرف واحد؛ بل يحتاج إلى سياسة هادئة تجمع بين الردع والدبلوماسية، والتحالف والاستقلال، والمصالح الوطنية والمسؤولية الإقليمية.
وإذا نجحت دول الخليج في بناء هذه المعادلة، فقد تنتقل من موقع المتأثر بالأزمات إلى موقع المؤثر في مسارها، ومن ساحة للتنافس الدولي إلى شريك رئيسي في صناعة التوازن الإقليمي الجديد.
وهنا تكمن الفرصة التاريخية: أن يصبح أمن الخليج قائماً على شراكة أمريكية قوية، وقدرات خليجية متنامية، ودبلوماسية إقليمية فاعلة؛ بحيث لا تكون القوة سبباً دائماً للصراع، ولا يكون السلام نتيجة غياب القوة، بل يصبح التوازن نفسه أداة لحماية الاستقرار وصناعة مستقبل أكثر أمناً للمنطقة.