
العراق بين مبعوثَين أم حقيقتين؟ نهاية الوهم وبداية الصفعات
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
لندن – مقال الرأي
بقلم كرم نعمة
كاتب عراقي بريطاني مقيم في لندن
منذ متى أصبح تغيير مبعوث أميركي خبراً يستحق الزغاريد السياسية في بغداد؟ ولماذا بدا تقرير رويترز عن إنهاء مهام مارك سافيا حدثاً جللاً في الإعلام العراقي، بينما مرّ في واشنطن كأنه تعديل في جدول مناوبات موظفي البيت الأبيض؟ وهل نحن أمام خبر حقيقي أم أمام رغبة ميليشياوية قديمة في الاحتفال بأي ظلّ يوحي بأن “هناك شيئاً يحدث”؟
أسئلة بسيطة، لكنها تكشف علاقتنا المرتبكة بالخبر، وبالولايات المتحدة، وبأنفسنا قبل كل شيء.
وسائل الإعلام الأميركية والغربية تعاملت مع تقرير رويترز ببرود إداري: موظف خرج، موظف يدخل، والآلة مستمرة. لا دراما. لا صراع. لا قصة تستحق العنوان.
أما الإعلام العراقي والعربي فتعامل معه كأنه انقلاب دبلوماسي. ربما لأن المنطقة اعتادت قراءة كل حركة أميركية باعتبارها رسالة، وكل صمت باعتباره تهديداً، وكل تغيير موظف باعتباره بداية مرحلة جديدة.
وهنا تظهر المفارقة الأكبر: هناك ما هو أخطر من تغيير مبعوث أو تبديل موظف. أخطر من اسم يخرج واسم يدخل. الخطر الحقيقي هو وهم الاعتقاد بأن واشنطن تغيّر سياستها كلما غيّرت موظفاً. هذا الوهم هو ما غذّى لسنوات شعوراً زائفاً بالانتصار لدى الميليشيات، وكأن مصير العراق معلّق على مزاج موظف متوسط الرتبة. لذلك يبدو الاحتفال بإعفاء سافيا أشبه برقصة فوق جليد رقيق: ضجيج بلا أرض، وحماس بلا سياق، وقراءة سياسية لا تتجاوز حدود الرغبة.
والحقيقة؟ سنكتشفها خلال ساعات. إما أن يكون سافيا قد أُعفي فعلاً، أو أن الضجيج الميليشياوي كان احتفالاً بظلّ رجل لا يعرفه معظم المحتفلين.
القصة ليست في سافيا. القصة في الرجل الذي يريد الاستحواذ على الملف: توم بارك، المبعوث الأميركي إلى سوريا ولبنان.
بارك لا يجيد الدبلوماسية الناعمة. يجيد الدبلوماسية الواضحة التي تسمي الأوضاع بألوانها الحقيقية. يجيد الإهانات العلنية. يجيد أن يقول ما يفكر به دون أن يضع قفازات حريرية على الكلمات.
وكل المؤشرات تقول إنه قادر على إقناع الرئيس دونالد ترامب بضمّ العراق إلى حقيبته السورية اللبنانية. وإذا حدث ذلك، فسننتقل من مرحلة “التنفيذ الهادئ” إلى مرحلة “التنفيذ مع صفعات صوتية”.
بارك ليس دبلوماسياً يبتسم أمام الكاميرا. إنه رجل يصف العراق بالتجربة السياسية الفاشلة، ولبنان بالمهزلة، والصحافيين بما لا يليق أن يُقال. تخيلوا هذه اللغة حين تصبح جزءاً من السياسة الأميركية تجاه المنطقة الخضراء والميليشيات التي تحيط بها.
لكن التركيز على الأشخاص يخفي جوهر المشكلة: واشنطن لم تعد ترى في العراق شريكاً سياسياً بقدر ما تراه ملفاً أمنياً معطّلاً. وهذا التحوّل هو ما يقلق الميليشيات أكثر من اسم المبعوث. فحين يتحول العراق إلى “ملف أمني” لا “ملف سياسي”، تصبح لغة التعامل معه أقرب إلى لغة الجراحة: استئصال، لا مداورة. ضبط، لا تفاهم. وهذا ما يفسّر الذعر الذي أصاب بعض القوى حين ظهر اسم توم بارك في المشهد، لأنه يمثل هذا التحوّل بوضوح فجّ، لا يحتمل التأويل ولا يسمح بالاختباء خلف شعارات السيادة.
ماذا عن أحزاب وميليشيات إيران؟ هنا يصبح المشهد أكثر وضوحاً.
سواء بقي سافيا أو جاء بارك، فإن الخاسر واحد: أحزاب وميليشيات إيران في العراق.
القرار الأميركي بإنهاء سطوة الميليشيات ليس مزاجاً شخصياً. إنه قرار إدارة. وسافيا لم يكن سوى منفّذ. وإذا انتقل الملف إلى بارك، فسنضيف إلى التنفيذ جرعة من القسوة الدبلوماسية التي اشتهر بها الرجل.
الميليشيات التي اعتادت على دبلوماسية تهمس، ستجد نفسها أمام دبلوماسية تصرخ. وأمام رجل لا يكتفي بإرسال الرسائل، بل يكتبها بخط عريض ويقرأها بصوت مرتفع.
ثم إن واشنطن باتت تتعامل مع العراق كجزء من شبكة إقليمية مترابطة، لا كحالة منفصلة يمكن تدليلها أو غضّ النظر عن تناقضاتها الداخلية. العراق اليوم، في نظر الإدارة الأميركية، ليس سوى حلقة في سلسلة تمتد من بيروت إلى دمشق إلى بغداد. وكلما ازداد التشابك، ازداد احتمال أن تُدار الملفات الثلاثة بعقل واحد، وبيد واحدة، وبمبعوث واحد لا يجامل ولا يبتسم. وهذا ما يجعل انتقال الملف إلى بارك – إن حدث – ليس مجرد تغيير موظف، بل إعلاناً عن مرحلة جديدة تُقاس فيها القرارات بمدى قدرتها على كسر الجمود، لا بمدى قدرتها على إرضاء اللاعبين المحليين.
لذلك يبدو التساؤل عاجلاً عن من يملك رفاهية النوم في المشهد العراقي؟
العراق مقبل على مرحلة لا مجاملات فيها. واشنطن لم تعد تتعامل مع بغداد كملف يحتاج إلى “إدارة علاقات”، بل كملف يحتاج إلى “إدارة قرارات”.
ازدواجية السلطة بين الدولة والميليشيا لم تعد قابلة للتجميل. والصبر الأميركي على “لصوص الدولة” بدأ ينفد. واللغة المقبلة لن تكون دبلوماسية، بل مباشرة، فاضحة، وربما جارحة.
وإذا كان الإعلام العراقي قد احتفى بخبر إعفاء سافيا، فربما عليه أن يستعد لمرحلة أشد صخباً. لأن الرجل الذي قد يخلفه لا يعرف لغة الدبلوماسية التقليدية، بل لغة الصدمات المباشرة.
قد يكون سافيا ذهب أو لم يذهب. لكن الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها هي أن المرحلة المقبلة لن تكون لطيفة. وأن واشنطن، سواء عبر سافيا أو بارك، تتجه نحو إنهاء ازدواجية السلطة في العراق. وأن الميليشيات، مهما احتفلت أو صمتت، ستجد نفسها أمام واقع لا يمكن تجميله.
أما نحن، فسنواصل الاحتفال بالظلال إلى أن يصل الضوء الحقيقي، ويكشف كل شيء، بعد أن يسقط العراق المزيف ويستعيد العراقيون العراق الحقيقي.