
كنا نقرأ السياسة… صرنا نشخصن السياسة
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
مونتريال – مقال الرأي
بقلم م. بسام أبوطوق
من موازين القوى والعوامل الموضوعية والذاتية إلى الغمزات والتغريدات ولغة الجسد
تضج وسائل الإعلام العالمية، بمختلف تجلياتها ومصادرها، بدقائق وتفاصيل مشهد توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران. ولهذه المناسبة التاريخية، التي أصبحت ضرورة بعد أن كانت طارئة ومصطنعة مؤشرٌ يصعد ويهبط مع كل تصريح جدي أو دعابة، أو مع كل تعبير وجه، من امتعاض أو انبساط، أو لغة جسد تعبر عن الاسترخاء أو التوتر، مما يجيد قراءته خبراء لا يحتاجون إلى شهادات علمية بقدر ما يحتاجون إلى حضور وثقافة وامتلاك للغة الخطاب.
فالتحليل السياسي لم يعد يعتمد على الدراسات الجيوسياسية الثقيلة، وموازين القوى، والعوامل الذاتية والموضوعية، ومعرفة مصادر الثروة، وتاريخ الصراعات الطبقية أو القومية أو الإثنية، بل أخذ يتحول، مع تقدم تكنولوجيا العروض الإعلامية وغلبة الصوت والصورة على الكتابة والطباعة والنشر، ومع ازدياد وزن عامل السرعة في تطور الأحداث، إلى شخصنة المشكلات السياسية والاقتصادية الكبرى، القائمة منها والمستجدة أو المصطنعة.
ولا نملك تجاه هذا الأمر كثيراً من الخيارات، فهو طابع هذا العصر الذي تتجلى فيه سيطرة التكنولوجيا الفائقة والثروة الهائلة على وسائل الإعلام، تلك الوسائل التي دخلت، بل اقتحمت، كل بيت ومكتب، وصارت عنواناً ملازماً لحياة الإنسان، ترافقه في نومه وصحوه، بل وتخزن له المعلومات في مستودع سحابي خاص، حتى وإن لم تتسع سنوات عمره المحدودة لقراءتها كلها.
وتظهر الشخصنة بوضوح في أن مصائر العالم باتت رهناً لغمزة أو دعابة من زعيم ما، أو لردة فعل على لغة جسد زعيم آخر، أو لتحليل ما إذا كان تعبير وجهه يعكس غضباً أم ارتياحاً. وذهبت تلك الأيام التي كان فيها قلق الأمين العام للأمم المتحدة يستدعي التعليق أو السخرية.
ويجري التركيز اليوم على ما يمكن الاتفاق عليه، بما يسمح لكل طرف في ثنائية الخلاف أن يعلن أمام جمهوره أنه المنتصر والغالب. سقى الله تلك الأيام التي كان فيها زعيم القبيلة أو مغتصب الحكم يعلن نفسه منتصراً لمجرد أنه ما زال حاكماً، حتى لو خسر الأرض والعرض.
أما التفاصيل والآليات والقضايا المختلف عليها، فتؤجل إلى جداول زمنية أخرى، رجراجة و مرنة، تتغير بتغير الليل والنهار، ما دامت الأرض تدور حول نفسها وحول الشمس.
يوقع الطرفان الأميركي والإيراني مذكرة التفاهم على الهواء مباشرة، ثم يجتمع مندوبو الطرفين والوسطاء في منتجع سويسري. وبعد ثمانين دقيقة تتوقف المحادثات، وينسحب الوفد الإيراني ويغادر مقر المفاوضات اعتراضاً على تصريح للرئيس الأميركي يطالب فيه طهران بوقف دعم “وكلائها” في لبنان.
وحتى كتابة هذه السطور، لا نعرف إن كان الوفد الإيراني قد عاد أو سيعود. وعندما نقف بسياراتنا أمام محطات الوقود لتعبئتها، لا نمتلك رفاهية القرار: هل نملؤها كاملة أو نصفها أم ربعها؟ فكل ساعة تحمل سعراً جديداً.
وننتقل بالتحليل السياسي إلى إسرائيل: فهل بدأت بوادر التهميش السياسي لإسرائيل؟ وهل بدأ العد التنازلي، ولو ببطء، لتلاشي أسطورة المظلومية الإسرائيلية؟ أم أن ما نراه ليس سوى غلبة التمنيات الحارة والرغبات الدافئة على برودة التحليل السياسي وصرامته؟
وإلى أن تنتهي مراحل التوقيع التي أصبحت بالمفرق بعد أن كانت بالجملة، وإلى أن يُفك الحصار عن مضيق هرمز كاملاً دون شروط أو مساومات، وإلى أن يتوصل العالم يوماً إلى اتفاق أممي شامل يوقف تخصيب اليورانيوم لأغراض التسلح النووي، ويبدأ بتخفيض هذا الخطر الذي يهدد كوكب I والبشرية جمعاء وصولاً إلى الصفر، وإلى أن تُبرّد بؤر التوتر وتُستأصل ثقوب التمييز العنصري السوداء، وإلى أن نعود إلى دراسة العوامل الموضوعية والذاتية وأوزانها الحقيقية، وإلى أن يحكمنا الحكماء والعلماء، سنظل نركض ونلهث وراء شخصنة الحياة السياسية، بديلاً عن دمقرطتها كما كان مأمولاً عند تأسيس الأمم المتحدة عام 1945.