
إيران: تحدّيات اليوم التالي
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
واشنطن – رسالة المحرّر
بقلم مرح البقاعي
حال سقط النظام في إيران، ستواجه البلاد مرحلة انتقالية مُربكة، لكنها مستحقَّة لشعب عانى لعقود من ظلاميين أحكموا قبضتهم على مفاصل الحكم وسبل الحياة، والتحديات ستكون متزامنة على الصعيدين السياسي والاقتصادي.
سياسيًا، قد يؤدي فراغ السلطة إلى فوضى محتملة. فالأجهزة العسكرية المتناحرة، والجماعات العرقية مثل الكرد والبلوش، والقوى الإقليمية الفاعلة – كالعراق وتركيا والمملكة العربية السعودية – قد تتسابق للتدخل في تحديد مسار الأحداث ما بعد نظام الملالي.
وفي غياب خليفة واضح، قد تتصاعد الصراعات الداخلية إلى مواجهات دامية، لاسيما إذا تمسك المتشددون بالسلطة أو إذا بالغ الإصلاحيون في برامجهم. سيتطلب بناء حكومة مستقرة تحقيق توازن دقيق بين الجمهور المتشكك – الذي لا يزال يحمل ندوب عقود من القمع – وبين المطالب بالديمقراطية التي تتعارض مع الانقسامات القبلية والدينية.
أما التحديات الاقتصادية فهي أشد وطأة. فاقتصاد إيران يعاني من العقوبات وسوء الإدارة والاعتماد المفرط على النفط. وقد تهالك الناتج المحلي الإجمالي، وارتفع التضخم بشكل جنوني، وتفاقمت البطالة وغياب الفرص، لا سيما بين الشباب. سقوط النظام سيتطلب الانفتاح لرفع العقوبات؛ لكن هذه عملية شاقة، فالثقة الغربية لن تُستعاد تلقائيًا بعد عقود من العداء. كما أن إعادة بناء البنى التحتية، كمصافي النفط أو شبكات المياه، تتطلب مليارات الدولارات التي لا تملكها إيران، بينما الفساد متجذر. لذا سيواجه القادة الجدد مهما كان لونهم السياسي شكوكًا من المستثمرين.
قد يأتي بعض التخفيف على المدى القصير من عائدات النفط إذا تعاونت الأسواق العالمية، لكن تنويع الاقتصاد ليشمل قطاعات التكنولوجيا أو الزراعة سيستغرق سنوات. لا ننسى أهمية تفكيك سيطرة الحرس الثوري على الصناعات، وهي خطوة محفوفة بالمخاطر في ظل فلول موالين مسلحين سيصطادون في أي بركة من المياه العكرة سيصادفونها.
وقد تساعد المساعدات الخارجية من الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، لكن الشروط المصاحبة لها قد تثير ردود فعل عنيفة عند رواسب المتشددين باعتبارها “تنازلات ثقافية ودينية”!
إنه وضع دقيق للغاية: فزيادة النفوذ الغربي تُهدد بإثارة النزعة القومية، بينما غياب هذا النفوذ سيترك إيران منهكة ومدمرة. الانتقال إلى اقتصاد أكثر حرية يعني إصلاحات مؤلمة – مثل خفض الدعم وخصخصة الشركات المملوكة للدولة والتي كانت حكراً على رجالات النظام ومن يواليهم – الأمر الذي سيتأثر به الفقراء أكثر من غيرهم. وإذا لم تُدر هذه الإصلاحات بحكمة وحوكمة رشيدة، فقد تستمر الاحتجاجات في الاندلاع موجاتٍ لا تنتهي.