آخر التحديثاتأبرز العناوينمقال الرأي

‏”كش ملك” .. تداعيات انحسار نفوذ موسكو في فنزويلا

الاستماع للمقال صوتياً

الرياض – مقال الرأي

بقلم محمد الحربي*

‏لم يكن الدعم الروسي لنظام نيكولاس مادورو في فنزويلا مجرد تحالف سياسي بل كان استثماراً استراتيجياً طويل الأمد يهدف إلى خلق توازن جيوسياسي دقيق مع الولايات المتحدة. لذا فإن أي تغيير قسري للنظام في كاراكاس لا يقرأ في موسكو كخسارة لحليف فحسب، بل إعادة رسم للخريطة الجيوسياسية في النصف الغربي من العالم، وبشكل لا يصب في صالح الكرملين.

‏تكمن جوهرية الخسارة الروسية في فقدان ميزة “الوصول الاستراتيجي” فنزويلا كانت بمثابة منصة متقدمة تتيح لموسكو الحضور في “الفناء الخلفي” للولايات المتحدة وهي ورقة كانت تستخدمها الدبلوماسية الروسية للمناورة والمساومة في ملفات شائكة أخرى كالملف الأوكراني. غياب نظام مادورو يعني عملياً تجريد روسيا من هذه الورقة مما يجعل قدرتها على الرد بالمثل على الضغوط الأمريكية قرب حدودها أقل فاعلية.

‏وعلى الصعيد الميداني، سيؤدي هذا التحول إلى انحسار الوجود العسكري الروسي ورمزيته التي تؤكد قدرة موسكو على العمل بعيداً عن محيطها. كما أن عجز روسيا عن تفعيل اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية الموقعة مع كاراكاس يرسل رسالة سلبية لحلفائها الإقليميين (كوبا ونيكاراغوا)، مفادها أن المظلة الأمنية الروسية لها حدود جغرافية وقدرات لوجستية قد لا تصمد أمام الإرادة الأمريكية. اليوم مع سقوط النظام، يصبح هذا الحضور مهدداً بالتلاشي لتنحصر خيارات الكرملين وتصبح مواجهة النفوذ الأمريكي في عقر داره مهمة شبه مستحيلة.

‏ولا يقل الملف الاقتصادي عن الملفات الأخرى، موسكو لا تخسر فقط استثماراتها المباشرة، بل تفقد شريكاً حيوياً في هندسة ملف الطاقة العالمي. إن صعود نظام موالي لواشنطن في بلد يمتلك أكبر احتياطيات نفطية، سيعيد صياغة أسواق الطاقة ويضعف قدرة روسيا على الالتفاف على العقوبات الدولية، مما يشكل عبئاً إضافياً على اقتصادها المنهك.

‏ورغم ما يراه بعض المراقبين من أن روسيا قد بدأت بالفعل مسار “التخلي التكتيكي” عن فنزويلا، إلا أن هذا الانكفاء لا يعبر عن “استغناء اختياري” بقدر ما يعكس واقعية قاسية فرضها استنزاف الموارد في جبهات أخرى أكثر حيوية للكرملين كأوكرانيا. إن تحول فنزويلا من حليف استراتيجي إلى “ورقة مقايضة” هو بحد ذاته خسارة فادحة لارتكاز جيوسياسي يمنح موسكو نفوذ لمقارعة واشنطن في محيطها الإقليمي.

‏في المحصلة، يمثل السقوط المحتمل للحليف اللاتيني تحولاً للنفوذ الروسي من موقع “الهجوم والمبادرة” إلى مربع “الدفاع والانكفاء”، مما يمنح واشنطن أريحية استراتيجية لتأمين محيطها الإقليمي والتفرغ لجبهات التنافس الدولي الأخرى.

محمد الحربي

كاتب وباحث في الإعلام السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى