هل يٌعاد بناء الدولة في العراق بنزع سلاح المجموعات المسلحة؟
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
بغداد – مقال الرأي
بقلم الدكتور هيثم هادي نعمان
في العقدين الماضيين بقي العراق قابعاً في المنطقة الرمادية، يتأرجح تحت سطوة النفوذ الإيراني، وكان الادعاء بأن هذا الواقع هو الطريق المتاح لمنع عودة العراق إلى الحكم الاستبدادي. لكن الدولة العراقية الضعيفة أصبحت معسكراً إيرانياً تموينياً ومحطة وقود تزود إيران بحاجتها الاقتصادية والعسكرية والبشرية لاستمرار مشروعها النووي ولإدامة تمدد نفوذها!
فالضعف العراقي جعل الاستثمارات محفوفة بالمخاطر بسبب فرض الشبكات المسلحة أجندتها على القرارات العراقية، ووصل العراق ليفوز في مجلس نوابه أكثر 90 برلمانياً مقربا من المجموعات المسلحة الموالية لإيران وتحولهم إضافة لقوتهم العسكرية والاقتصادية لقوة سياسية برلمانية تسيطر على القرار السياسي، وبالتالي هل العراق يتجه لتأسيس نموذج مماثل لنظام لكوريا الشمالية في عمق الشرق الأوسط، أم أنه ماضيا لإنهاء دور هذه المجموعات خارج إطار الدولة.
لقد أشار الرئيس الأميركي في رد على الصحافيين: “العراق وإيران تقاتلوا بعضهم البعض لآلاف السنين تحت مسميات مختلفة، كانوا متساوين بالقوة، دمرنا أحدهم وهو العراق، فاختل التوازن، فاستفحلت إيران في المنطقة، لكن هذا لن يعود مقبولاً بعد الآن”.
يعكس هذا الخطاب استراتيجيه جديدة تجاه العراق، وقد تجلى هذا الأمر مرتين الأولى من خلال تحذير السفير توم باراك في تصريحه الواضح “فإما أن يكون عراق مركزي موحد أو قد يتجه إلى البلقنة”، والثانية عبر تويت نشرها مارك سافيا مبعوث الرئيس الأميركي للعراق والذي (وعد فيها بأن عام 2026 سيكون نهاية السلاح المنفلت والفساد والمليشيات).
تعتمد الثقافة السياسية الأميركية تاريخيا في علاقتها الدولية مع الدول الصديقة ما بعد الحروب على (نظرية بناء الدول) وهي تحقيق المصالح، ولكن مقابل بناء دول حديثة، حيث تبنت الولايات المتحدة تطبيقات هذه النظرية ما بعد الحرب العالمية الثانية في كوريا الجنوبية وألمانيا واليابان. فرغم قساوة الحرب ساهمت الولايات المتحدة ببناء اليابان كشريك إستراتيجي أصبح من أهم الدول اقتصاديا وصناعيا في العالم. بالإضافة لذلك انقذت الولايات المتحدة اليابان من إمكانية الوقوع في المنطقة الرمادية ومن أن يكون ساحة نفوذ صيني، وهذا ما يحتاجه العراق الان في خروجه من المنطقة الرمادية وتحويله لشريك استراتيجي بعيدا عن أي نفوذ إقليمي، وخاصة أن العراق مؤهل ثقافيا وفكريا واقتصاديا لأن يكون ذلك الشريك.
الجهود السياسية الجديدة، وفي خطوتها الأولى في نزع سلاح المجموعات، يجب ان تحدد ستة محاذير للاستجابة لشروطها وهي:
أولا: يجب ألا يتحول مشروع نزع الأسلحة إلى وسيلة غير مباشرة لإضفاء الشرعية على هذه المجموعات من خلال دمجها في الجيش أو قوات الأمن الداخلي. فتطبيق “نزع السلاح” عبر الدمج الجماعي، مع الحفاظ على هياكل القيادة الفئوية ومنح غطاء سياسي للشبكات المسلحة داخل مؤسسات الدولة، لن يخرج العراق من المنطقة الرمادية، بل ستتحول قوة المجموعات المسلحة غير الرسمية لقوة رسمية. وفي هذا السيناريو، يُخاطر العراق بالتحول إلى دولة أمنية متشددة تشبه كوريا الشمالية.
ثانيا: تحديد جدول زمني: إن ممارسة المماطلة في تنفيذ شروط نزع السلاح والبطء في التنفيذ هو سياسية متبعة، لذا الجدول الزمني أساسي في عمليات تنفيذ نزع السلاح.
ثالثا: نزع السلاح يجب أن يكون عبر لجنة مشتركة عراقية بالتعاون مع التحالف الدولي أو الأمم المتحدة بحيث تستلم الأسلحة الخفيفة والثقيلة ويتم جردها وفق سياقات عسكرية لإعادة توزيعها على صنوف الجيش العراقي أو إتلافها.
رابعا: تجنب الاغراءات: حيث أصبح الكثير من زعماء المجموعات المسلحة قادرين على تجنب عمليات نزع السلاح من خلال عرضهم للعقود النفطية والمالية التي قد تؤجل أو تؤخر هذا القرار.
خامسا: الحصار الاقتصادي وعدم الإمداد لإيران وتوابعها في لبنان، على أن يتم الأمر من خلال إيقاف النزيف الاقتصادي العراقي لمصلحة إيران ومحورها في المنطقة من خلال لجنة رقابية مشتركة.
سادسا: أن لا يكون نزع السلاح مقتصرا على مجموعات دون غيرها، بل قرارا شاملا يشمل جميع القوى المسلحة دون استثناءات قد تضيع جوهر القرار الأصلي.
في النهاية فإن العراق بعد نزع سلاح المجموعات المسلحة، سيحتاج لخطة انقاذ اقتصادية تعيد بناء داخله بشراكة دولية تمنع تدفق الأموال لمجموعات مسلحة من لبنان واليمن ومناطق أخرى.