آخر التحديثاتأبرز العناوينمقال الرأي

رهان موسكو الجيوسياسي: تحدي واشنطن في جنوب آسيا

الاستماع للمقال صوتياً

كاليفورنيا – مقال الرأي


 الدكتور عبيد الله برهاني

تُظهر الديناميات السياسية الروسية الأخيرة—وفي مقدمتها الزيارة الرسمية للرئيس فلاديمير بوتين إلى الهند والانخراط البراغماتي في الملف الأفغاني اتجاهًا استراتيجيًا جديدًا يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوة في جنوب آسيا. ويأتي ذلك في مرحلة تشهد فيها الولايات المتحدة عملية إعادة تموضع معقّدة بين أولويات متنافسة. ولا تنبع التحركات الروسية من مجرد محاولة للالتفاف على الضغوط المرتبطة بالحرب في أوكرانيا؛ بل تعكس سعيًا أوسع نحو استثمار الظرف الدولي لصياغة معادلات بديلة للنظام أحادي القطبية، والاستفادة من التردد الأمريكي في إدارة التوازنات الإقليمية المتشابكة.

وتبرز الشراكة الروسية الهندية بوصفها إحدى أهم أدوات موسكو للحفاظ على حضورها في واحدة من أكثر الدوائر الاستراتيجية تأثيرًا في آسيا. فالهند، بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي وعسكري، تُعد فاعلًا لا يمكن تجاوزه في أي هندسة إقليمية جديدة. وعلى الرغم من الجهود الأمريكية لدفع نيودلهي إلى تبنّي مواقف أكثر صرامة تجاه موسكو، فإن الهند تواصل التمسك بهامش واسع من الاستقلالية، سواء في العلاقات الدفاعية أو في واردات الطاقة. ويشير هذا النهج إلى محدودية قدرة واشنطن على استخدام أدوات الضغط التقليدية مع القوى الصاعدة، كما يكشف تراجعًا تدريجيًا في نموذج التحالفات الصلبة لصالح مقاربات أكثر تعددية ومرونة.

ومن منظور موسكو، تمثل الهند ركيزة استراتيجية لكسر العزلة الغربية، ليس فقط عبر استمرار التعاون العسكري، بل أيضًا من خلال علاقات سياسية واقتصادية متنامية تضمن إبقاء روسيا لاعبًا رئيسيًا غير قابل للتهميش. كما تستفيد موسكو من التباطؤ الأمريكي في موازنة العلاقة بين الهند وباكستان، وهي ثغرة تمنحها مساحة أوسع للتحرك في جنوب آسيا في وقت تركّز فيه واشنطن على تعزيز ترتيبات المحيطين الهندي والهادئ دون نجاح كامل في استقطاب الهند إلى منظومتها الأمنية.

وفي الملف الأفغاني، تتبنى روسيا مقاربة واقعية تعترف بالمعادلات الجديدة التي أفرزها الانسحاب الأمريكي. ويرتكز هذا النهج على بناء قنوات اتصال مباشرة مع سلطات طالبان لتعزيز التعاون في مجالات مكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، والحدّ من تهريب المخدرات. وتدرك موسكو أن الانخراط المباشر مع طالبان على عكس واشنطن  يوفر لها مكاسب متعددة، من بينها احتواء المخاطر الأمنية العابر للحدود، وتعزيز نفوذها في آسيا الوسطى، واستخدام الملف الأفغاني كورقة ضغط في أي حوار مستقبلي مع القوى الغربية. ويكشف هذا المشهد عن فراغ جيوسياسي تركته واشنطن، أتاح للقوى الإقليمية وعلى رأسها روسيا والصين وإيران توسيع حضورها في ساحة ارتبطت لعقود بالوجود الأمريكي.

وتُحدث هذه التحركات أثرًا مباشرًا في التوازن داخل المثلث الهندي الصيني الروسي، وهو توازن بالغ الحساسية. فالهند تحتاج إلى روسيا دعمًا لتفوقها العسكري في مواجهة باكستان ولتعزيز الردع في مواجهة الصين، بينما تمضي قدمًا في تعزيز تعاونها مع الولايات المتحدة والغرب في المجالات التكنولوجية والأمن البحري. هذا التشابك المعقّد في المصالح يمنح موسكو قدرة على المناورة بين الطرفين، ويحدّ من فاعلية استراتيجية الاحتواء الأمريكية تجاه الصين، كما يدعم الاتجاه العالمي المتنامي نحو نظام اقتصادي متعدد الأقطاب عبر منصات مثل “بريكس) BRICS)

وفي المقابل، تجد باكستان نفسها في معادلة أكثر تعقيدًا. فالتقارب الروسي–الهندي يثير مخاوف في إسلام أباد، خاصة في ظل استمرار تدفق المعدات العسكرية الروسية المتقدمة إلى الهند. كما أن انفتاح موسكو المحدود على باكستان يجعل الأخيرة أكثر اعتمادًا على الصين، ويدفعها في الوقت ذاته إلى محاولة إعادة ترتيب علاقتها مع الولايات المتحدة لتفادي الوقوع في عزلة استراتيجية. وفي ظل غياب سياسة أمريكية واضحة تجاه إدارة التوازن الهندي–الباكستاني، تواجه إسلام أباد خيارات ضيقة تتطلب قدرًا كبيرًا من الحذر والمرونة.

تسير المنطقة نحو مزيج من التعددية المرنة وإعادة التشكل الجيوسياسي، حيث لم يعد النفوذ حكرًا على قوة واحدة، ولم تعد التحالفات ثابتة كما كانت سابقًا. ويبقى السؤال المركزي: هل ستتمكن واشنطن من التكيّف مع هذا التحول المتسارع، أم ستنجح موسك ومدعومة بشراكاتها الآسيوية دفي إعادة رسم خرائط القوة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية؟

السيناريوهات المحتملة

أولًا: استمرار التقارب الثلاثي ضمن إطار مرن وغير صدامي مع الولايات المتحدة
تحتفظ الهند بدورها كشريك متوازن، ما يمنحها مرونة في علاقاتها مع روسيا والغرب. في هذا السيناريو، تستثمر واشنطن شراكاتها مع دول الخليج لتعزيز نفوذها الإقليمي على السياسات الاقتصادية والأمنية والتفاعلات الجيوسياسية، مع الحفاظ على حضورها الفاعل وضبط هوامش المناورة لموسكو وبكين، وضمان حماية مصالحها الحيوية.

ثانيًا: تبلور المحور المتماسك
يعزز التعاون الثلاثي قدرة موسكو وبكين على صياغة توازنات إقليمية بديلة ويحد من النفوذ الأمريكي النسبي، مع وضوح التعددية القطبية. ومع ذلك، تظل واشنطن لاعبًا مؤثرًا عبر تحالفاتها التقليدية والدبلوماسية الاقتصادية مع دول الخليج، لكنها لا تتحكم بالكامل بمسار التوازنات.

ثالثا: تعثّر التقارب الثلاثي بسبب التوترات الهندية الصينية
تدفع التوترات الهند لتعميق تعاونها الدفاعي والاستراتيجي مع واشنطن، ما يتيح لها استعادة جزء مهم من نفوذها في جنوب آسيا. وتظل روسيا محدودة التأثير، بينما تستفيد الولايات المتحدة من تحالفاتها مع الهند ودول الخليج لضبط التحالفات الإقليمية وتحقيق التوازن المطلوب.

خاتمة

جنوب آسيا على مفترق طرق: موسكو تعزز شراكتها مع الهند وتوسع نفوذها في أفغانستان وآسيا الوسطى، ممهّدةً لتوازن متعدد الأقطاب، بينما تحافظ واشنطن، بدعم تحالفاتها مع الهند ودول الخليج، على نفوذها وسط تحولات متسارعة.

ليست مجرد صراعات على النفوذ، بل إعادة رسم خريطة القوة. التحالفات لم تعد ثابتة، والنفوذ لم يعد محصورًا في قوة واحدة. والسؤال الحاسم: هل ستنجح واشنطن في التكيف، أم تكتب موسكو فصلًا جديدًا في تاريخ المنطقة؟

د. عبيد الله البرهاني

أكاديمي وكاتب سياسي أميركي من أصل أفغاني
زر الذهاب إلى الأعلى