آخر التحديثاتأبرز العناوينمقال الرأي

واشنطن: الحاضر الغائب في كابول

الاستماع للمقال صوتياً

كاليفورنيا – مقال الرأي

الدكتور عبيد الله برهاني

تقف أفغانستان اليوم على مفترق حاسم في خريطة النفوذ الإقليمي والدولي، إذ تشهد الساحة السياسية والاجتماعية مرحلة معقدة من إعادة التشكيل الاستراتيجي. ورغم الانسحاب العسكري الأمريكي، يظل دور واشنطن حاضرًا بصيغة “الغائب الحاضر”، يراقب ويؤثر في كل مفصل من مفاصل القرار الأفغاني، مستفيدًا من شبكة شركاء إقليميين، خصوصًا في الدول الخليجية، لدعم الإصلاحات والتحولات المطلوبة بما يتماشى مع الأعراف الدولية ويحترم التقاليد الأفغانية الأصيلة

في المقابل، تسعى باكستان والصين وإيران لإعادة رسم خطوط نفوذها داخل أفغانستان، الدولة التي تمثل بوابة استراتيجية نحو آسيا الوسطى وركنًا محوريًا في معادلات الأمن الإقليمي. هذا التنافس يجعل من أفغانستان ساحة صراع دقيقة، حيث يتشابك النفوذ السياسي مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، في تحد مباشر لقدرة واشنطن على حماية مصالحها وتحقيق استقرار المنطقة.

واشنطن:الغائب الحاضر:

تدرك الولايات المتحدة أن ترك أفغانستان رهينة للتنافس الإقليمي يعني تعريض مصالحها طويلة المدى للخطر، سواء تجاه الهند أو في قلب آسيا الوسطى. لقد أثبتت التجارب السابقة أن التغاضي عن السياسات الباكستانية يخلق فراغًا أمنيًا ويقوي جماعات متطرفة تشكل تهديدًا مباشرًا لمصالح واشنطن واستقرار المنطقة.

لذلك، يجب أن تستند أي استراتيجية أمريكية على دروس ما بعد 2001، والتعامل مع الحقائق على أرض الواقع، ومعاملة أفغانستان كساحة حيوية لا يحتمل تركها للضبابية أو التجاذبات الإقليمية. هذا لا يعني العودة إلى التدخل العسكري المباشر، بل تبني مقاربة حازمة وواضحة تجاه سياسات إسلام آباد، بما يمنع استخدام الساحة الأفغانية كورقة ابتزاز سياسي أو دفعها تدريجيًا نحو شركاء يتعارضون مع مصالح الولايات المتحدة.

شبكة الشركاء الإقليميين، خصوصًا في دول الخليج، تمنح واشنطن قدرة أكبر على التوازن بين الضغط السياسي والدعم الاقتصادي، مع الحفاظ على الشرعية المحلية والدولية، لتبقى الغائب الحاضر في أفغانستان، رقابة وتأثيرًا في آن واحد.

باكستان: من التحكم بخيوط اللعبة إلى فقدان الأوراق:
تسعى باكستان إلى استعادة نفوذها في الساحة الأفغانية بعد تراجع مكانتها التقليدية، خاصة عقب سيطرة طالبان على الحكم. ورغم العلاقة التاريخية الطويلة مع كابول، التي منحتها بعض أطر النفوذ، إلا أن المؤسسة الباكستانية تشعر بقلق متزايد من تراجع تأثيرها أمام الحاكم الفعلي في أفغانستان، طالبان، وتصاعد نشاط جماعة “تحريك طالبان باكستان TTP”. هذا الواقع يدفع إسلام آباد إلى تبني سياسة ضغط مستمرة على كابول، ساعية لانتزاع تنازلات أمنية واستراتيجية أخرى لم تتحقق بعد.

السياسة الباكستانية تعكس أيضًا محاولة لإثبات أنها شريك موثوق في تنفيذ البرامج الأمنية الغربية، رغم اتهامات بأنها تتحرك وفق أجندات قوى كبرى أكثر من مصلحتها الوطنية. داخليًا، ينقسم الرأي بين من يرى في الضغط على أفغانستان إعادة ضبط لقواعد اللعبة، ومن يعتبر أن القيادة تكرر أخطاء الماضي، ما يهدد البلاد بعزلة وصدام غير محسوب وفقدان النفوذالتاريحي.

الصين: براغماتية استثمارية وأمنية:

تتعامل الصين مع الملف الأفغاني بحذر وبراغماتية، مدفوعة بحماية استثماراتها ضمن “الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني”، الذي تجاوزت استثماراته 60 مليار دولار. ومع تزايد امتعاض بكين من الأداء الباكستاني وعدم الاستقرار الأمني، تتجه للعمل مباشرة مع طالبان لتقليل اعتمادها على إسلام آباد. تعتبر الصين أفغانستان ممرًا حيويًا نحو آسيا الوسطى وركنًا أساسيًا في مبادرة “الحزام والطريق”، لذا فإن تعاونها مع طالبان يهدف إلى توسيع النفوذ الصيني وتقليص قدرة باكستان على احتكار العلاقة مع كابول.

إيران: النفوذ الصامت: تتحرك إيران بهدوء وحذر، مستفيدة من ضعف الثقة في باكستان كشريك موثوق، سواء في المجال الأمني أو في علاقتها مع واشنطن. تعتمد إيران على استراتيجية هادئة عبر توسيع نفوذها التجاري مع أفغانستان، مستفيدة من التوتر الباكستاني–الأفغاني لتعزيز موقعها كفاعل إقليمي قادر على الاختراق دون الدخول في صدام مباشر مع القوى الأخرى.

الهند: بناء شراكات استراتيجية:

حرصت الهند تاريخيًا على بناء علاقات متينة مع حكومة أفغانية مركزية وفعالة، بعكس باكستان التي فضلت نسج علاقاتها مع الجيوب الهامشية واستثمار الهشاشة الداخلية. وقد ساعدها ذلك على تقليل اعتماد كابول على السلع الباكستانية وإعادة فتح قنوات اتصال مع دول آسيا الوسطى لتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي، بما يعيد تشكيل موازين القوى التقليدية في محيط أفغانستان.

السيناريوهات المحتملة لمستقبل أفغانستان:

١-تعزيز النفوذ الأمريكي والدولي: -دعم واشنطن للحكومة والمجتمع المدني عبر شركائها الإقليميين يحقق استقرارًا نسبيًا، ويحد من الجماعات المتطرفة، ويضمن حماية مصالحها الاستراتيجية في آسيا الوسطى.

٢-تصاعد النفوذ الإقليمي المنافس: ضعف الدور الأمريكي يتيح لباكستان والصين وإيران توسيع نفوذها وتحويل أفغانستان إلى ساحة صراع بالوكالة، مع تهديد مصالح واشنطن وعودة الجماعات المسلحة.

أزمة داخلية شاملة: غياب اهتمام واشنطن بتدخلات الجيران غير المشروعة وفقدان الحكومة الحالية للقدرة على التحكم يمهّد الطريق لصراعات لا تخدم أي طرف.

تسوية سياسية شاملة: تطلب تحقيق استقرار سياسي نسبي في أفغانستان اتفاقًا داخليًا مدعومًا دوليًا، يهيئ الدول الخليجية الأرضية المناسبة لدعم هذا الاستقرار، ويفتح آفاقًا لإطلاق الإصلاحات الشاملة اللازمة عبر حوار أفغاني يضم أطرافًا وطنية نزيهة وموثوقة. كما يسهم هذا الاتفاق في الحد من النفوذ الإقليمي، مع الحفاظ على استقلالية القرار الأفغاني وسيادته

خاتمة

على الرغم من الانسحاب الأمريكي، تبقى أفغانستان نقطة توازن استراتيجية لا يمكن تركها رهينة للرهانات الإقليمية. التغاضي عن السياسات الباكستانية يعمّق الفراغ الأمني ويقوّي الجماعات المتطرفة، ما يهدد الاستقرار الإقليمي والمصالح الأمريكية. في المقابل، نجحت الهند في بناء علاقات متينة مع الحكومة المركزية، ما ساهم في تقليل اعتماد كابول على باكستان وإعادة تموضع الاستراتيجية الإقليمية، مع الحفاظ على توازن النفوذ في محيط أفغانستان.

د. عبيد الله البرهاني

أكاديمي وكاتب سياسي أميركي من أصل أفغاني
زر الذهاب إلى الأعلى