آخر التحديثاتأبرز العناوينمقال الرأي

ممداني.. اليوم خمر وغداً أمر

الاستماع للمقال صوتياً

مونتريال – مقال الرأي

بقلمة م. بسام أبوطوق

أما وقد انفض العرس الانتخابي وتلاشى صوت الطبل والزمر وعاد المحتفلون إلى منازلهم وأعمالهم ونشاطاتهم، فإن زهران ممداني صانع النصر الانتخابي المتألق لاختيار عمدة نيويورك، سيخلع حلة المهرجان ويهيئ نفسه للتعايش مع الواقع الصلب لدى استلامه مفاتيح مكتب العمدة في 4 نوفمبر 2026.وهو سيجد ملفات ثقيلة و متراكمة يجب معاينتها و معالجتها في سياق وعود انتخابية ضخمة ظاهرها الحق والعدالة وباطنها التزامات ووقائع,بينما يبقى خارج المكتب جمهور متحمس زاده النصر حماسة ينتظر ويترقب ويتربص, فلا أسهل من نزول الميدان من موقع المعارضة ولا اصعب من الخروج منه من موقع الولاء.

ولنعد إلى البداية..

زهران ممداني شاب مسيس حتى الاظافر، منذ يفاعته يخوض المعارك السياسية والانتخابات الطلابية، ثم يواجه ملوك العقارات ويساهم في جمعيات مساعدة الأسر ذات الدخل المنخفض في مواجهة أوامر الإخلاء والحفاظ على سكنهم.

وهو ينضم إلى الاشتراكيين الديمقراطيين على أقصى يسار الحزب الديمقراطي الأمريكي, و يحصل على مقعد في جمعية ولاية نيويورك منذ عام 2019 وهو في سنه التاسع والعشرين ويحتفظ بهذا المقعد في عامي 2022 و 2224.

وهكذا نجد أمامنا شابا بخبرة محدثة تتعدى سنين عمره يقدمه جناح اليسار الديمقراطي ليخترق الصفوف ويكون فارس المرحلة المقبلة.

حارقا للمراحل رشح ممداني نفسه لمنصب عمدة نيويورك، وقدم برنامجا انتخابيا ينص على دعم توفير الحافلات العامة مجانا، وتجميد الإيجارات في المساكن ذات الايجار المستقر، ودعم رعاية الاطفال الشاملة، وبناء 200 ألف وحدة سكنية جديدة بأسعار ميسرة، وهو برنامج خدمي ولكن باطنه سياسي

ومنحاز للطبقات الفقيرة.

وفي السياسة ينتقد ممداني معاملة إسرائيل للشعب الفلسطيني، وينحاز بوضوح للمسألة الفلسطينية، وقد تعهد بالامتثال لمذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية باعتقال بنيامين نتنياهو إذا زار مدينة نيويورك.

إختراق ممداني للنخبة الحاكمة في أمريكا ليست ظاهرة جديدة، فالاقرب الى الى الذاكرة والأوسع للتأثير هو نجاح باراك أوباما في الانتخابات التمهيدية للرئاسة الأمريكية عام 2009 في إخراج هيلاري كلينتون من السباق الانتخابي عن الحزب الديمقراطي، ثم في الفوز على جون ماكين الجمهوري، وأوباما هو أول رئيس أمريكي من أصول أفريقية وهو حديث العهد بالسياسة الأمريكية التقليدية، ولم يخرج من عباءة العائلات السياسية المعروفة، علما انه تبنى برامجها في الحكم والسياسة .

ظاهرة ممداني تتمثل اولا في أصوله الهوياتية المتعددة، فهو مسلم وجنوب آسيوي وأفريقي ومهاجر متجنس حديثا، وقد استثمر بنجاح في هذا التعدد الهوياتي رغم انفصاله عنه، فهو مسلم بالانتماء ولكنه لا يمارس تعاليم الإسلام، وهو جنوب آسيوي بحكم أصوله الهندية ولكنه مولود في أفريقيا ولا يعرف الهند ولا آسيا، بل ولم يشارك في تجمعات الهنود الأمريكيين، وهو ينتمي إلى أوغندا وكنه لا يقدم نفسه كشخص أوغندي الجنسية.

كل هذه الهويات تتحول على يديه من تعريفات عرقية ودينية إلى انتماء سياسي انتخابي الطابع.

فإذا كان قد حصل على أصوات المنتمين إلى هذه الهويات فلأن حاملوها غاضبون محبطون من الظلم المعيشي والخدمي،وهم أرادوا معاقبة الحكام الذين تجاهلوهم وتأييد من يرفع مطالبهم.

وننتقل إلى الظاهرة الثانية وهي الوعود الانتخابية الضخمة التي قدمها ممداني لهذه الحشود الغاضبة والناقمة، والتي أوضحناها  في سياق هذا المقال.

فإذن سيدخل زهران ممداني إلى مكتب عمدة نيويورك في الرابع من نوفمبر المقبل من عام 2026 

ويطالع ملفات المدينة، ويجتمع مع فريقه من نواب العمدة، ويستخلص ما يمكن إنجازه من المهمات التي أوكل نفسه بها على رؤوس الأشهاد.

ولأن السياسة هي فن الممكن، ولأن تيسير الخدمات يحتاج إلى تمويل، فإن الصوت العالي الذي قدمه ممداني لحظة احتفاله بالنصر الانتخابي أمام مؤيديه سيتحول إلى  مفاوضات وحوارات من خلف مكتب العمدة الفخم.

ولكي ينجح ممداني في إنجاز وعوده، عليه على الأقل أن يحسب وزنا لترامب ولمؤسسة الرئاسة الامريكية وباقي المؤسسات المسيطرة في واشنطن.

وكما قال شاعرنا العربي القديم امرؤ القيس: اليوم خمر وغدا أمر.

تتميز الثقافة المجتمعية الأمريكية بأن كل منصب خاضع للانتخابات بما فيه مناصب المدعي العام والعمدة وحاكم الولاية وبالتالي فهو تحت رقابة الناخبين بينما في العالم الثالث تسيطر ثقافة التعيين 

لهذه المناصب فهم تحت رقابة من عينهم. 

وفي التحليل الأخير فإن الفائز حقا هو الديمقراطية الأمريكية بأبهى صورها، والراسخ والباقي هو المؤسسات والدستور منذ أسسه الآباء الاوائل وعلى رأسهم بنجامين فرانكلين وجون آدمز وباقي الشخصيات السبعة.

  

بسام أبو طوق

مهندس وكاتب سوري - كندي مقيم في مونتريال

تعليق واحد

  1. مقال ممتاز عرفنا نحن البعيدون عن أمريكا على شخصية عمدة نيويورك المنتخب وعلى آلية وحيثيات انتخابه
    بالتوفيق دائما

زر الذهاب إلى الأعلى