آخر التحديثاتأبرز العناوينمقال الرأي

الخوف من الإسلام السياسي أم الخوف من نجاح الفرد المسلم؟

الاستماع للمقال صوتياً

نيويورك – مقال الرأي

بقلم رولا القط

في واشنطن، كما في نيويورك، ثمة سؤال يلوح في النقاشات السياسية والإعلامية الأميركية كلّما صعد اسم مسلم جديد في المشهد الانتخابي:

هل يُمثّل هذا المرشّح امتدادًا لما يُسمّى الإسلام السياسي، أم أنه نتاج طبيعي لمجتمع متحوّل بات يرى التنوع جزءًا من بنيته الديمقراطية؟

الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بالإسلام وحده، بل بالولايات المتحدة نفسها — بمدى استعدادها لتقبّل مواطنين لا يشبهون الصورة النمطية التي اعتادتها السلطة البيضاء.

بين الدين والسياسة… خلط متعمّد

في الحملات الانتخابية الأميركية، يُستدعى مصطلح “الخطر الإسلامي” بسهولة مريبة.

هو المصطلح ذاته الذي استُخدم بعد أحداث 11 سبتمبر لتبرير الحرب على الإرهاب، واليوم يُعاد تدويره في خطاب اليمين الشعبوي، ولكن بأدوات أكثر “ديمقراطية”: منشورات على وسائل التواصل، أو دعايات انتخابية تستغل الخوف الديني.

لكنّ الواقع أبسط من هذه السردية.

المسلم الأميركي الذي يترشح اليوم لمنصب عمدة أو عضو مجلس بلدي لا يمثل “الإسلام السياسي”، بل يمثل جيلًا وُلد في أميركا، درس فيها، ويخوض معارك خدمية حول السكن، النقل، والتعليم.

هو نتاج البيئة الأميركية نفسها، وليس مشروعًا وافدًا من الخارج.

من يدعمهم؟ من يقف ضدّهم؟ المرشّحون المسلمون يجدون دعمهم الأساسي في التيار التقدّمي داخل الحزب الديمقراطي — التيار الذي يرى في التنوع ليس تهديدًا، بل ضمانة لتجديد الديمقراطية.

أسماء مثل برني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو-كورتيز ساهمت في تمهيد الطريق

في المقابل، تتحرك حملات مضادة تموّلها جماعات يمينية ولوبيات إعلامية تحاول استثمار الخوف من “الآخر المسلم” لإعادة تعبئة القاعدة الانتخابية المحافظة.

إنها ليست حربًا على المرشحين بقدر ما هي حرب على صورة أميركا المتغيّرة.

ما الذي يقلق المؤسسة السياسية حقًا؟

الخوف الحقيقي ليس من “الإسلام السياسي”، بل من نجاح المسلم الأميركي في قواعد اللعبة الأميركية نفسها.

ذلك النجاح يزعزع مبدأ الهيمنة الثقافية القديمة التي كانت تضع “الأقلية المسلمة” في خانة المراقب لا الفاعل.

حين يصبح المسلم جزءًا من مؤسسة الحكم المحلي، وحين يصوّت له غير المسلمين، تتغيّر قواعد تعريف “الهوية الوطنية”.

فأميركا، التي طالما رأت نفسها دولة مسيحية-غربية، تواجه اليوم واقعًا ديموغرافيًا جديدًا:

مدن كاملة مثل Dearborn وHamtramck ذات أغلبية مسلمة، ومناطق في نيوجيرسي ونيويورك تشهد كتلاً انتخابية مسلمة قادرة على ترجيح الكفّة في الانتخابات المحلية.

بين “أسلمة المدن” ودمقرطة الوعي اليمين الأميركي يروّج منذ سنوات لفكرة “أسلمة المدن الأميركية”، لكن الأرقام لا تدعم هذا الادعاء.

ما يجري ليس “أسلمة”، بل دمقرطة للوعي السياسي؛

فالمسلمون في أميركا لم يأتوا ليحوّلوا المدن إلى نسخ من الشرق الأوسط، بل ليحوّلوها إلى مدنٍ تُدار بعدالة أكبر وكفاءة أكثر.

الأجندة التي يطرحها هؤلاء المرشّحون — من دعم التعليم العام إلى مكافحة الفقر وتوسيع الخدمات — هي أجندة أميركية بامتياز.

الفرق الوحيد أنهم يقدّمونها من موقعٍ مختلف، بلسانٍ جديد، وبثقة من وُلد في الهامش وقرّر أن يصعد إلى المنصّة.

الخطر الحقيقي الخطر لا يأتي من الإسلام، بل من الجهل به.

حين تُختزل هوية كاملة في صورة نمطية، تُفقد السياسة معناها وتتحوّل إلى لعبة خوف.

أما حين تُفتح الديمقراطية أمام الجميع — بمن فيهم المسلمون — فإنها تختبر صدقيتها أمام العالم.

النجاح المسلم في السياسة الأميركية ليس تهديدًا، بل فرصة نادرة لتصحيح الفكرة التي بُنيت عليها أميركا نفسها: أن الحرية لا معنى لها إن لم تشمل الجميع.

ربما على الولايات المتحدة أن تسأل نفسها سؤالًا بسيطًا:

هل تخاف من الإسلام السياسي فعلًا، أم من نجاح مواطنيها المسلمين في أن يصبحوا جزءًا من المستقبل؟

لأن ما يُقلق البعض اليوم ليس لحية المرشّح أو حجاب المرشّحة، بل قدرتهم على كسر الصورة القديمة التقليدية للمواطن الأميركي…

وإعادة تعريفها، وفق مبدأ بسيط: أن تكون أميركيًا لا يعني أن تكون نسخة من أحد، بل أن تكون صادقًا مع نفسك — مؤمنًا بحقّك في أن تُسمَع

رولا القط

إعلامية وكاتبة لبنانية مقيمة في نيويورك
زر الذهاب إلى الأعلى