بين واشنطن وكابول تقع الدوحة!
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
الدوحة – مقال الرأي
الدكتور عبيد الله برهاني
في ظل التطورات الأخيرة التي شهدتها الساحة الأفغانية، تشكّل زيارة السيد آدم بولر والمبعوث الأميركي السابق زلماي خليلزاد إلى كابول ولقاؤهما بالملا عبد الغني برادر، نائب رئيس الوزراء الأفغاني، فرصة جديدة للحوار و نقطة تحوّل محتملة في المسار السياسي بين الولايات المتحدة وحكومة طالبان. هذه التحركات، وإن كانت غير مُعلنة التفاصيل، تحمل دلالات سياسية واضحة تشير إلى إمكان عودة التواصل، ولو بشكل غير مباشر، إلى الواجهة من جديد.
ولعل هذه اللحظة تستدعي مراجعة جادة لبنود اتفاق الدوحة الموقع في فبراير 2020، والذي، رغم ما مثله من اختراق دبلوماسي كبير، لم يُستثمر كما ينبغي في ترسيخ مسار سياسي شامل ومستدام. ومن هنا، تبرز دولة قطر مرة أخرى كطرف يتمتع بالمصداقية، والكفاءة، والقبول لدى مختلف الأطراف، بما يؤهلها للعب دور محوري في إعادة هندسة هذا المسار، بروح من الوساطة العقلانية والتوازن الدقيق
أفغانستان… من الحرب إلى العزلة
عرفت أفغانستان، على مدار أكثر من أربعة عقود، سلسلة متواصلة من النزاعات الداخلية والتدخلات الخارجية، جعلت من الاستقرار السياسي هدفًا مؤجلًا، ومن التنمية الاقتصادية حلمًا بعيد المنال. ومع الانسحاب الأميركي في 2021 وسيطرة طالبان على مقاليد الحكم، دخلت البلاد مرحلة جديدة اتسمت بتحديات مضاعفة، على رأسها العزلة الدولية، وتجميد الأصول، وغياب الاعتراف الدبلوماسي الكامل.
رغم المساعي السابقة لإحياء الحوار بين كابول وواشنطن، ظلت الفجوة في الثقة عائقًا أمام أي تقدم ملموس. واشنطن لا تزال متمسكة بشروط تتعلق بحقوق الإنسان، وتمكين المرأة، ومحاربة الإرهاب، بينما ترى حكومة طالبان أن المطالب الأميركية تفتقر إلى احترام السيادة والخصوصية الثقافية
قطر وسيط موثوق نزيه واستباقي
منذ انطلاق المفاوضات الأولى بين واشنطن وطالبان، كانت دولة قطر الطرف الأقدر على تيسير الحوار، انطلاقًا من حيادها السياسي، وانفتاحها المتوازن على جميع الأطراف، فضلًا عن سجلها الحافل في الوساطات الناجحة على المستويين الإقليمي والدولي.
قطر لا تقدم نفسها كوسيط محايد فحسب، بل كـ”مُيسّر دبلوماسي” يتقن إدارة اللحظات الدقيقة، ويملك الأدوات الفنية والسياسية لصياغة حلول خلاقة تُراعي المصالح المتباينة دون الإخلال بثوابت كل طرف. وهذا ما يجعلها اليوم مرشحة بقوة لتقود عملية مراجعة بناءة لاتفاق الدوحة، تُسهم في تجديده وتفعيله بما يتواءم مع التحولات الجارية.
اتفاقية الدوحة: حاجة إلى التقييم والتطوير
رغم مرور أكثر من خمس سنوات على توقيع الاتفاق، إلا أن جوانب كثيرة منه لا تزال غير مفعّلة أو محل خلاف. الاتفاق، الذي أفضى إلى انسحاب القوات الأميركية، لم يُستتبع بخطة انتقالية سياسية واضحة، ولا بآليات متابعة تنفيذ فعالة، ما جعله يُقرأ – في بعض الأوساط – كاتفاق أمني أكثر منه سياسي.
من هذا المنطلق، يمكن أن تلعب قطر دورًا مركزيًا في إعادة صياغة آلية تنفيذ الاتفاق، وتوسيع نطاقه ليشمل ملفات معلقة مثل المشاركة السياسية، حقوق الأقليات، المساعدات الإنسانية، ودمج أفغانستان مجددًا في النظام الدولي. وهنا، يُستحسن أن يتم العمل على تحديث الاتفاق لا نسفه، وتحويله من وثيقة تاريخية إلى خريطة طريق مستقبلية.
من الصراع إلى الحوار: ثقافة سياسية قابلة للإحياء
لا ينبغي اختزال التاريخ الأفغاني في الحروب والنزاعات فقط. فقد أنجبت البلاد شخصيات فكرية رائدة – مثل جمال الدين الأفغاني – نادت منذ عقود بالتقريب بين التيارات، والعمل على بناء دولة قوية تقوم على المؤسسات والعدالة لا على الانقسامات والصراعات.
اليوم، لا يزال بالإمكان إحياء هذه الروح، إذا ما أُتيحت الفرصة لحوار داخلي بين مختلف مكوّنات المجتمع الأفغاني، بمساندة إقليمية ودولية، ترعاه جهة موثوقة مثل قطر، قادرة على خلق بيئة سياسية آمنة للحوار الوطني الحقيقي.
حوار مباشر… مسؤولية جماعية
السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو: هل يمكن أن تعود واشنطن وكابول إلى مسار تفاوضي مباشر؟
الإجابة لا ترتبط فقط بالرغبة السياسية، بل بحجم الضمانات، وبطبيعة الوسيط، وبالمناخ الإقليمي والدولي.
دولة قطر، بما لها من رصيد سياسي وإنساني، قادرة على إطلاق مسار جديد للتفاهم بين الطرفين، يبدأ بخطوات غير رسمية، ويُبنى عليها تدريجيًا عبر قنوات دبلوماسية مفتوحة، ومبادرات غير معلنة تمهّد لاتفاقات أوسع. وهذا يتطلب، بالضرورة، تنسيقًا مع المجتمع الدولي لضمان الدعم، لا الفرض؛ والمشاركة، لا الوصاية.
لحظة نادرة يجب ألا تُهدر
تعيش أفغانستان اليوم لحظة نادرة تجمع بين الحاجة العميقة للتغيير، وتوفر أطراف تمتلك الإرادة والقدرة على تسهيله.
إن دولة قطر، التي نجحت سابقًا في فتح قنوات بين أطراف متخاصمة، تملك اليوم الفرصة والشرعية للعب دور أكثر تقدمًا في تحديث اتفاق الدوحة وتفعيله، وتهيئة الظروف الملائمة لعودة الحوار بين كابول وواشنطن.
وفي عالم يعجّ بالأزمات، تبرز أهمية الأدوار الدبلوماسية الهادئة، والعقلانية، والمبنية على الثقة لا على الإكراه. ولهذا، فإن نجاح قطر في هذه المهمة لا يخدم فقط الاستقرار في أفغانستان، بل يعزز من مكانة الدبلوماسية التوافقية كأداة فعالة لحلّ النزاعات الدولية المعقدة.
فرصة الحوار لا تزال قائمة… لكنّها لن تبقى إلى الأبد.
المطلوب هو التحرك العاقل، قبل أن تُغلق نوافذ الحلول وتستأنف دوامة العزلة والتصعيد.