
من قداسة السياسة إلى لحظة الحسم
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
نيويورك – مقال الرأي
بقلم رولا القط
منذ نشأتها عام 1928، حملت جماعة الإخوان المسلمين شعارًا يختصر مشروعها الأيديولوجي: “الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا”. لم تكن الجماعة حركة دعوية فحسب، بل مشروعًا سياسيًا عابرًا للحدود، هدفه إقامة دولة دينية توظف الدين أداةً للهيمنة وتضفي قداسة على خياراتها التنظيمية.
قداسة السياسة وصناعة الرعب اختلف الرعيل الأول من المسلمين في السياسة ولم يختلفوا في الدين، أما الإخوان فقد قلبوا المعادلة، فأضفوا على السياسة قداسة الدين، وجعلوا مخالفة مشروعهم وكأنها خروج على الشريعة نفسها. بهذه المعادلة أوقعوا المجتمعات في رهاب الشك بكل ما هو خارج إطارهم، وابتدأوا بالأبوية الدينية ثم الأبوية المجتمعية وصولًا إلى الهيمنة السياسية. هذه الهيمنة رافقتها صناعة دائمة لخطاب المظلومية الذي يعيد الجماعة إلى واجهة التعاطف الشعبي بعد كل فشل سياسي أو مواجهة مع الدولة.
الخوارج الجدد في ثوب عصري مثل الخوارج قديمًا، حاول الإخوان فرض تصورهم على المجتمع، لكنهم تعلموا من فشل أسلافهم فمزجوا بين الدعوة العاطفية والتنظيم السري، فأنشأوا هرمًا حزبيًا محكمًا لا يصل إلى قمته إلا النخبة المبايعة. أما الجمهور فمجرد غلاف شعبي يُستثمر عاطفيًا لا فكريًا. البيعة عند الإخوان ليست التزامًا دينيًا فقط، بل تفويض مطلق يشمل الدين والسياسة معًا، لتصبح الجماعة كيانًا فوق الدولة.
منبر الكونغرس ورسالة واشنطن في يوليو 2018، ناقش الكونغرس الأميركي مستقبل التعامل مع الإخوان، وكان واضحًا في توصيفهم: جماعة متطرفة تمجّد بن لادن، تنكر الهولوكوست، وتحرض على العنف والكراهية. حذّر رئيس اللجنة الفرعية للأمن القومي رون ديسانتيس من تجاهل خطرهم باعتبارهم أحد مصادر التطرف العالمي.
الان وبعد عقد تقريبًا من تلك المناقشات، عاد الملف إلى الطاولة بقوة أكبر. ففي يوليو 2025، قدّم عضوا الكونغرس ماريو دياز-بالارت وجارد موسكوفيتز مشروع Muslim Brotherhood Terrorist Designation Act الذي يطالب بتصنيف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية أجنبية وإعداد تقرير شامل عن نشاطاتهم داخل وخارج الولايات المتحدة. يدعم التشريع عدد من أعضاء مجلس الشيوخ، بينهم تيد كروز، في خطوة تعكس تحوّلًا جديًا في المزاج السياسي الأميركي تجاه الجماعة.
إلى جانب التحرك التشريعي، تراقب الأجهزة التنفيذية الأميركية تمويل الجمعيات التي يُشتبه بارتباطها بالإخوان، وتراجع المنح والتحويلات المالية تحت بند “الدعم المادي للإرهاب”. هذا التحرك يثير جدلًا داخل واشنطن، حيث تحذر بعض الأصوات من أثر التصنيف على الحريات المدنية للمسلمين الأميركيين، بينما يرى آخرون أن التصنيف ضرورة استراتيجية للحد من تجذّر الإسلام السياسي في الداخل الأميركي.
ما بين الفشل التاريخي واللحظة الراهنة تجربة الإخوان في الحكم، كما حدث في مصر عام 2012، أظهرت عجز الجماعة عن إدارة الدولة ككيان جامع. وما إن فقدوا السلطة حتى انكفأوا على أيديولوجيتهم الضيقة وعادوا إلى خطاب المظلومية. إن فشلهم ليس حادثًا عابرًا بل بنيويًا، لأنهم لم يستطيعوا – مثل الخوارج قبلهم صناعة مشروع سياسي جامع، فبقوا طائفة حزبية تدّعي أنها تمثل الإسلام بينما تخوض معاركها ضد المجتمع والدولة معًا.
لحظة الحسم اللحظة الراهنة لا تحتمل التردد. تصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية أجنبية لم يعد رفاهية سياسية، بل ضرورة لحماية الأمن القومي الأميركي واستقرار المجتمعات العربية على حد سواء. ترك هذا المشروع الأيديولوجي دون مواجهة يعني ترك الباب مفتوحًا أمام موجة جديدة من التطرف، تمامًا كما ترك الخوارج فراغًا فكريًا ملأه العنف والفوضى في التاريخ الإسلامي.