
سوريا الكبرى وإسرائيل الصغرى!
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
واشنطن – رسالة المحرِر
مرح البقاعي
لفتني في الأسبوع الفائت تصريحين متواقتين وليسا عابرين على أية حال، أحدهما صادر عن الرئيس السوري أحمد الشرع حين تحدث إلى إعلاميين عرب استضافهم في القصر الجمهوري بدمشق، وقال ما معناه “إن الثورة السورية التي نجحت في إسقاط حكم الأسد لم تكن امتداداً للربيع العربي وهي ليست – على المستوى التطبيقي – إسلاماً سياسياً أو جهادياً البتة”. أما التصريح الذي يقع في الطرف الآخر، فهو لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي تحدث للإعلام أيضاً مستطرداً عن رؤيته العقدية ذات الجذور التوراتية لدولة ’إسرائيل الكبرى’.
يكاد التواقت الزمني بين التصريحين أن يكون الخط الواصل الوحيد بينهما على اختلاف مبناهما السياسي وعلى تناقض مآلاته، إلا أنه يطرح أسئلة عديدة تتعلق بما يدور الآن في سوريا في مرحلتها الانتقالية وبخاصة في علاقتها الملتبسة مع إسرائيل، وكذا يعزز من فكرة المؤامرة التي يجنح إليها البعض – ومنهم إسرائيليون لا يؤمنون بالفكر الصهيوني التوسعي – وأن نظرية “الشرق الأوسط الجديد” ليست سوى طرحاً مؤامراتياً أوهو في أحسن الأحوال خيراً يُراد به باطل.
فهل أحداث بعض دول المنطقة في العقد الأخير ناتجة عن عوامل داخلية تحررية فعلاً، أم أنها مجرد تجليات لخطة إسرائيلية أسفر عنها أخيراً نتنياهو وكشف اللثام عن ملامحها الحقيقية؟
تحضرني في هذا المقام ما عُرف في الثمانينات بـنظرية “يهودية الشرق الأوسط الجديد” في إشارة إلى “خطة عوديد ينون”، وهي وثيقة إسرائيلية غالباً ما ترتبط بمفهوم الشرق الأوسط الكبير في المصطلحات العربية والدولية.
الخطة ليست “نظرية” بالمعنى الأكاديمي أو المنهجي، بل مقالاً سياسياً كُتب في العام 1982 بقلم عوديد ينون، وهو صحافي ودبلوماسي إسرائيلي سابق، ونشرها في مجلة كيفونيم. المقالة حملت عنوان “استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات”، وترمي إلى رسم خطة لتعزيز أمن إسرائيل من خلال إعادة تشكيل خرائط المنطقة.
نشأت هذه الخطة في الثمانينيات، حيث كانت إسرائيل تواجه تحديات أمنية إثر حرب العام 1973، وغزو لبنان في العام 1982، والتوترات مع الدول العربية. ينون يرى الشرق الأوسط فسيفساءاً من الطوائف والأعراق المتنافرة، مستلهماً أفكاراً طرحها وزير الخارجية الإسرائيلي السابق أبا إيبان، الذي وصف المنطقة بأنها مجموعة من الكيانات العرقية غير المستقرة.
الخطة ترى في تقسيم الدول العربية فرصة مثالية لإسرائيل لتصبح قوة إقليمية مهيمنة، مستفيدة من النزاعات الداخلية في هذه الدول، كالطائفية في لبنان أو العرقية في العراق وسوريا.
ترتكز خطة ينون على تقسيم الدول المحيطة بإسرائيل إلى كيانات طائفية أو عرقية، ما يحجّم من التهديدات على حدودها. الهدف الرئيسي هو ضمان أمن إسرائيل طويل الأمد من خلال إضعاف الدول العربية والإسلامية، استناداً إلى عوامل النزاعات الداخلية والحروب الإقليمية. فسوريا تُقسّم إلى دولة علوية شيعية على الساحل، ودول سنية في دمشق وحلب، ودولة درزية في الجنوب، والعراق جرى تفكيكه أصلاً إلى مناطق عرقية/طائفية، مع دولة شيعية في الجنوب (حول البصرة)، ودولة سنية في الوسط (بغداد الكبرى)، ودولة كردية في الشمال. بينما اعتبرت الخطة لبنان نموذجاً ناجحاً لمشاريع التقسيم الطائفي في الجوار حيث انشطر إلى إقطاعات مسيحية وسنية وشيعية إثر الحرب الأهلية. والخطة لا تستثني بالطبع مصر والأردن مستثمرة في النزاعات البينية في الدول المستهدفة لإفشالها بديلاً عن الدخول معها في حروب مباشرة.
في العام 1993 طرح شمعون بيريز طرق مبتكرة للهيمنة في كتابه “الشرق الأوسط الجديد”، بينما ابتكرت كونداليزا رايس “الفوضى الخلاقة” التي هدفت إلى تفكيك المفكك وإعادة صياغته من جديد، وجاءت حرب العراق وسوريا وأزمات لبنان التي لاتنتهي، وكلها مجتمعة تؤكد على المشهد الأصل الذي رسمه ينون والذي مازال البعض يصر أنه غير قابل للتحقيق!
ولأني لا أمتلك أية قناعة راسخة أو إجابات قاطعة على ما طرحت من أسئلة في مقالي هذا وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، فلا مخرج لي سوى اللجوء إلى رأي القارئ ومقاربته للمشهد الدائر الآن في سوريا التي هي في مرمى شهوات إسرائيل التلمودية، والتي يدعي نتنياهو أن الله في السماء أرسله لتنفيذ كلمته على الأرض.
بانتظاركم!