زلماي خليلزاد: هندسة الاستراتيجيات الأميركية
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
لوس أنجلس – مقال الراي
هندسة الاستراتيجيات الأمريكيةشرق الأوسط
بقلم الدكتور عبيد الله برهاني
شكل زلماي خليلزاد واحدًا من أبرز الوجوه الدبلوماسية الأمريكية في العقود الأخيرة، ليس فقط بسبب أصوله الأفغانية، بل لدوره المحوري في صياغة مسارات السياسة الأمريكية تجاه أفغانستان والعراق، ثم في إدارة مفاوضات الدوحة مع حركة طالبان. مسيرته تعكس التداخل بين النظرية الأكاديمية والخبرة العملية، حيث انتقل من موقع الباحث في مراكز التفكير الأمريكية إلى موقع صانع القرار في ملفات بالغة التعقيد، إلا أن إرثه ظل مثار جدل حاد سواء في الأوساط الأمريكية أو الأفغانية أو الإقليمية.
تدرج خليلزاد أكاديميًا من باحث في جامعة شيكاغو إلى خبير في مراكز الفكر الأمريكية، حيث ركز على الأمن الإقليمي والسياسات الأمريكية تجاه العالم الإسلامي. لاحقًا، التحق بإدارة الرئيس جورج بوش الابن، فكان أحد الأصوات البارزة في معسكر المحافظين الجدد. ومع التدخل العسكري في أفغانستان (2001) ثم العراق (2003)، تحوّل من منظّر يكتب أوراق السياسات إلى دبلوماسي يطبقها على الأرض، متنقلًا بين كابول وبغداد كأحد أهم السفراء الأمريكيين في الشرق الأوسط الكبير.
جاءت ذروة حضوره في ملف أفغانستان مع مفاوضات الدوحة (2018–2020)، التي أفضت إلى الاتفاق بين واشنطن وحركة طالبان. هنا برز خليلزاد باعتباره مهندسًا أساسيًا للصفقة التي مهدت لانسحاب الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه فتحت باب الجدل حول ما إذا كانت واشنطن قد سلّمت كابول لطالبان مقابل تأمين خروج آمن لقواتها. مؤيدوه اعتبروا الاتفاق خطوة واقعية أنهت أطول حرب أمريكية، بينما رأى منتقدوه أن الاتفاق مثل استسلامًا مقنّعًا واعترافًا غير معلن بشرعية طالبان.
أحد الأبعاد التي ميزت مسيرته هو كونه دبلوماسيًا أمريكيًا من أصول أفغانية، ما جعله في نظر بعض الأطراف جسرًا طبيعيًا بين واشنطن وكابول، فيما نظر إليه آخرون بريبة واعتبروه شخصًا لا ينتمي بالكامل إلى أي من الطرفين. داخل الأوساط الأفغانية، وُجّهت إليه اتهامات بأنه حمل الأجندة الأمريكية أكثر من هموم بلده الأصلي، بينما في الولايات المتحدة رآه بعض المحافظين الجدد عنصرًا مثاليًا لتسويق سياسات واشنطن في بيئة معقدة مثل أفغانستان والعراق. غير أن المعترضين عليه من الأفغان يبدون بعيدين عن الصواب، إذ لم يكن خليلزاد يتحرك باعتباره فردًا مستقلًا، بل كان يمثل في جوهر أدواره التنفيذية تجسيدًا مباشرًا للسياسات الأمريكية المرسومة سلفًا، ما يجعل نقده على المستوى الشخصي محدود القيمة.
على المستوى الإقليمي، لم يخل دور خليلزاد من حساسية سياسية ففي باكستان، اعتُبر شخصية مؤثرة لكنها منحازة في نظر بعض دوائر إسلام آباد، خصوصًا أنه كثيرًا ما دفع باتجاه ربط ملف طالبان بالمصالح الأمريكية المباشرة. أما إيران، فكانت ترى فيه واجهة للضغط الأمريكي، خاصة بعد دوره في العراق 2003 وصياغة التوازنات السياسية هناك. بينما روسيا تابعت دوره في الدوحة بريبة، معتبرة أن الاتفاق مع طالبان قد يُفضي إلى زعزعة النفوذ الروسي في آسيا الوسطى. هذا البعد الإقليمي يعكس أن حضوره لم يكن مقتصرًا على الساحة الأفغانية، بل تداخل مع شبكة أوسع من التوازنات الجيوسياسية.
في الولايات المتحدة، تباينت المواقف إزاءه بين التقدير والتحفّظ. فقد اعتبره بعض الجمهوريين والمحافظين الجدد دبلوماسيًا ناجحًا استطاع أن يترجم الرؤى الاستراتيجية لواشنطن إلى اتفاقيات ملموسة، فيما رأى فيه عدد من الديمقراطيين وخبراء مستقلين شخصية ارتبط اسمها باتفاق أتاح لطالبان العودة إلى السلطة. أما داخل مراكز التفكير الأمريكية، فقد استمر النقاش حول ما إذا كان قد أسهم في تعزيز المصالح القومية للولايات المتحدة أم اختصرها في تسوية قصيرة المدى انعكست على الاستقرار بعيد المدى. ومع ذلك، فإن هذا الجدل يُعد أمرًا طبيعيًا لشخصية خاضت معارك دبلوماسية معقّدة في مرحلة دقيقة، ليظل في نظر الكثيرين رجل المهمات الصعبة وصاحب تجربة ثرية يمكن الاستفادة منها في قضايا دولية عديدة، وتشكل خبرته الواسعة ورصيده العملي عنصرًا مهمًا يمكن البناء عليه في بلورة مقاربات دبلوماسية وسياسية أكثر توازنًا في المستقبل.
بعد انسحاب القوات الأمريكية من كابول في أغسطس 2021، عاد النقاش حول إرث خليلزاد إلى الواجهة. فقد اختلفت الآراء بشأن الاتفاق الذي أبرمه، بين من اعتبره إنجازًا استراتيجيًا أسهم في إنهاء أطول حرب أمريكية بأقل تكلفة، ومن رأى فيه خطوة فتحت الطريق أمام عودة طالبان وأثّرت على مصداقية الولايات المتحدة عالميًا. ومع ذلك، فإن استمرار هذا النقاش يعكس حجم القضايا المعقدة التي انخرط فيها، ويؤكد أن إرثه يظل حاضرًا في تقييم كيفية إدارة واشنطن لتدخلاتها الخارجية.
وتجسد مسيرته الدبلوماسية التوازن الدقيق بين النظرية والتطبيق، وبين المصالح الأمريكية وتطلعات الأفغان، وبين الأطر المؤسسية والطموح الفردي. فقد كان من جهة عقلًا استراتيجيًا أسهم في رسم مسارات رئيسية للسياسة الأمريكية، ومن جهة أخرى شخصية مثيرة للنقاش ارتبط اسمها بمحاولات إيجاد حلول لقضايا عابرة للحدود. وهكذا يبقى إرثه، بالنسبة لكثيرين، علامة على براعة دبلوماسية سعت إلى فتح آفاق جديدة للتسويات السياسية، وفرصة للتأمل في كيفية المواءمة بين المصالح الدولية وتطلعات شعوب أفغانستان والشرق الأوسط نحو مستقبل أكثر استقرارًا وتوازنًا. وإن ما يميّز تجربته أنها لا تُختزل في الماضي فحسب، بل يمكن أن تشكّل مصدر إلهام لمقاربات جديدة تُسهم في بناء جسور الثقة، وتعزيز الحوار، وابتكار حلول تتجاوب مع طموحات شعوب المنطقة في السلام والتنمية.