الفراغ الأميركي في أفغانستان والهيمنة الصينية
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
لوس أنجلوس _ مقال الرأي
د. عبيد الله برهاني
لم يكن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان مجرد تقليص وجودي أو طيّ صفحة جغرافية، بل شكّل انحسارًا عن بؤرة مصالحها الحيوية في كابول والفضاء الإقليمي بأسره. هذا الانسحاب، الذي تجلّى في اتفاق الدوحة عام 2020، لم يخلق فراغًا سياسيًا ودبلوماسيًا فحسب، بل أطلق شرارة صراع جيوسياسي إقليمي تتغير فيه أدوار القوى الكبرى، وتتقدّم فيه الصين كأحد أبرز المستفيدين. وقد أعاد هذا الفراغ تشكيل المشهد الأفغاني، وفتح الباب أمام تدخل القوى الإقليمية والدولية وفق أجنداتها الاستراتيجية.
الفراغ الأمريكي في كابول: انقسام داخلي وسباق إقليمي على النفوذ
يُشكّل الانقسام داخل دوائر صنع القرار في واشنطن حيال الملف الأفغاني إحدى أبرز سمات المرحلة الراهنة، حيث يتباين التقدير حول طبيعة النظام القائم في كابول وحدود الانخراط الأمريكي الممكن بعد انسحاب عسكري مثقل بالكلفة السياسية والأخلاقية. فمن جهة، يبرز تيار واقعي يرى أنّ التعامل مع طالبان—على الرغم من المآخذ الجسيمة على أدائها الداخلي وانتهاكاتها الحقوقية—يمثل السبيل الوحيد لضمان حدٍّ أدنى من الاستقرار ومنع انزلاق البلاد مجددًا نحو فوضى عابرة للحدود تتجسد في الإرهاب وتجارة المخدرات وتدفّق موجات اللاجئين. وفي المقابل، ترفض أصوات أخرى في واشنطن أي تطبيع غير مشروط مع طالبان، معتبرة أنّ ذلك يتناقض مع المبادئ الأمريكية المعلنة بشأن حقوق المرأة وحرية التعبير والتعددية السياسية، وترى أنّه يرقى إلى مكافأة سلوكيات تتعارض مع المزاج العام الأمريكي. هذا التيار يفضّل اعتماد استراتيجية “الانتظار والاحتواء” بدل الانخراط المباشر
وبين هذين الموقفين المتباينين، ظلّت النتيجة العملية واحدة: غيابٌ أمريكي واسع عن المشهد السياسي والدبلوماسي في كابول، مقابل حضور متنامٍ لقوى إقليمية ودولية في مقدمتها الصين وروسيا وإيران، التي استثمرت في ملء الحيز المتروك من خلال زيارات رسمية وانخراط مباشر في صناعة القرار السياسي. وقد عزز اتفاق الدوحة موقع طالبان داخليًا وخارجيًا، فيما عجزت المعارضة الأفغانية المشتتة عن تقديم بدائل واقعية يمكن التعويل عليها في صياغة مشروع سياسي مستقبلي.
رغم تعاقب الإدارات الأمريكية، ظلّت المقاربة تجاه أفغانستان أسيرة المبدأ ذاته، إذ لم يطرأ تغير جوهري بين سياسات الرئيس دونالد ترامب والرئيس جو بايدن، فكلاهما تبنّى خيار الانسحاب وإن اختلفت أدوات التنفيذ. فقد انتهج ترامب مسار التفاوض المباشر مع حركة طالبان وصولًا إلى اتفاق الدوحة، بينما اختار بايدن انسحابًا متسارعًا افتقر إلى التنسيق، ما أفضى إلى تداعيات جسيمة أبرزها انهيار الحكومة السابقة وعودة طالبان إلى الحكم. وقد أوجد ذلك فراغًا استراتيجيًا أربك الحلفاء وأعاد تشكيل موازين القوى الإقليمية. ورغم محاولة إدارة بايدن الإبقاء على حدّ أدنى من الانخراط عبر تعيين مبعوث خاص والمشاركة في بعض اللقاءات، رغم ان هذه الخطوات المحدودة، لم تغيّر من واقع تراجع الحضور السياسي والدبلوماسي الأمريكي.
الصين تقتنص الفراغ والحاجة
اليوم، يبدو الفراغ الأمريكي فرصة سانحة لقوى إقليمية ودولية—وعلى رأسها الصين وروسيا وإيران—لإعادة تشكيل التوازنات داخل أفغانستان، كلٌّ وفق أجندته ومصالحه. فالصين، على وجه الخصوص، لا تُخفي طموحاتها الاقتصادية عبر مشاريع البنية التحتية وربط أفغانستان بمبادرة “الحزام والطريق”، متجاهلة قضايا حقوق الإنسان والحريات، ومركّزة على الاستفادة من موارد البلاد، وخاصة الليثيوم والمعادن النادرة الأخرى.
والأخطر أن الصين لا تستغل فقط غياب واشنطن، بل تستثمر في أزمات الداخل الأفغاني: من المأساة الإنسانية، إلى حصار المساعدات، إلى ضعف البنية الإدارية، وحتى حاجة طالبان الماسة لأي دعم خارجي. وهي بذلك تتقدّم لا كشريك، بل كفاعل منفرد يسعى للاستحواذ، ما يفاقم مأساة الشعب.
خيارات ناعمة لاستعادة التوازن: أدوار الدول الإقليمية المؤثرة
رغم محدودية البدائل الصلبة أمام واشنطن في الملف الأفغاني، تبرز خيارات ناعمة عبر شركاء إقليميين مؤثرين كالسعودية وقطر والإمارات وتركيا، لما يمتلكونه من أدوات تفاوضية وخبرة في الوساطة وإدارة الأزمات، فضلًا عن قنوات تواصل فاعلة، ما يؤهلهم للقيام بأدوار محورية تضمن مصالح واشنطن وتحد من تمدد النفوذ الصيني والروسي. لقد أثبتت هذه الدول براعتها في الوساطة الدبلوماسية؛ فقد استضافت قطر محادثات السلام الأفغاني–الأمريكي وأسهمت بفاعلية في عمليات الإجلاء بعد الانسحاب الأمريكي، مستفيدة من علاقاتها المباشرة مع طالبان. كما برزت السعودية كوسيط جريء في أزمات دولية معقدة، كان آخرها استضافتها محادثات هامة بشأن أوكرانيا، إلى جانب أدوارها التاريخية في القضايا الإقليمية مثل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. أما الإمارات، فقد عززت حضورها عبر شبكة علاقاتها الواسعة ونهجها البراغماتي الذي تُوّج بتوقيع “الاتفاقيات الإبراهيمية”، في حين تستثمر تركيا نفوذها العسكري والاقتصادي في دبلوماسية نشطة تهدف إلى التوفيق بين مصالحها الوطنية والتزاماتها الأطلسية.
ان توظيف القدرات الإقليمية قد يمهّد لتسويات سياسية تخدم المصالح المشتركة، بشرط تأمين إجماع إقليمي ودولي وبناء الثقة لصياغة رؤية مشتركة تحوّل المنطقة من ساحة تنازع إلى ركيزة للاستقرار والتنمية.
أفغانستان اليوم ليست مجرد ساحة لصراع القوى الكبرى، بل مرآة تعكس تحولات النظام الدولي ونتيجة لغياب الرؤية وتراجع الحضور. لم يترك الفراغ الأمريكي البلاد في عزلة، بل فتح المجال لمشاريع نفوذ جديدة تحمل وعودًا تنموية لكنها تحكمها حسابات الهيمنة، ويبقى الشعب الأفغاني الضحية الأساسية. إن الدرس الواضح هو أن الفراغ الجغرافي والسياسي لا يدوم، وأن الانسحاب بلا خطة يعطي الآخرين فرصة لإعادة رسم خرائط النفوذ. إن استعادة التوازن في أفغانستان تتطلب إرادة سياسية دولية وإقليمية متعاونة تعمل بشراكة حقيقية على بناء أمن وازدهار مستدامين عبر التعاون والتكامل وإلا، فإن هذه المرحلة ستُكتب كفرصة ضائعة في سجل التاريخ