
التحييد كأداة استراتيجية
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
الرياض – أوراق استراتيجية
بقلم الدكتور تركي القبلان – رئيس مركز ديمومة للدراسات
في نشأة الكيانات، تمثل الجغرافيا السياسية ساحة اختبار أولية بين البقاء والفناء. فالمسألة لا تتعلق بالحدود بقدر ما ترتبط بقدرة الكيان الوليد على تحييد القوى المهيمنة في محيطه. ومن هنا، يصبح التحييد أداة استراتيجية لتحويل الجغرافيا من طوق خانق إلى فضاء يمنح فرص البقاء والتأسيس .
الهجرة إلى الحبشة لم تكن حدثًا عابرًا في تاريخ الدعوة الإسلامية، بل شكلت في جوهرها مناورة استراتيجية عميقة هدفت إلى تحييد الخطر الإمبراطوري الروماني عبر حليفه المتقدم النجاشي . أدركت الكتلة التأسيسية للدعوة أن الدخول في مواجهة مباشرة مع قوة عظمى كهذه يعني تعجيل الصدام قبل أن تشتد دعوتهم وتترسخ أقدامها ، لذلك كان اللجوء إلى الحبشة ليس فقط طلبًا للأمان ، بل تأسيسًا لمساحة تنفّس استراتيجية تحمي الرسالة وتكسبها نوعًا من الاعتراف غير المباشر. وقد تجلّت الفلسفة السياسية لهذا التحرك في استثمار المشترك القيمي مع ملك مسيحي ، ما جعل الشرعية الأخلاقية تتحول إلى أداة دبلوماسية وغطاء وقائي في الوقت نفسه ، فكان خطاب جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي ليس مجرد دفاع عقائدي، بل تأسيسًا لشرعية خارجية مبكرة .
وبالمنطق نفسه، تحرك الإسلام في الجهة الأخرى لتحييد النفوذ الفارسي الساساني عبر دعوة واليهم باذان في اليمن للدخول في الإسلام . لم يكن الهدف آنذاك فتح جبهة جديدة أو مواجهة مع الفرس ، بل تحييد ممثلهم الإقليمي وإخراجه من معادلة الخصومة ، وبذلك جرى إغلاق منفذ استراتيجي كان يمكن أن يتحول إلى بوابة اختراق خطيرة للجزيرة . هذه الخطوة منحت الدعوة اعترافًا سياسيًا إضافيًا، وحيّدت خط التهديد الشرقي كما حيّدت الحبشة الخطر الغربي ، فوجد الإسلام نفسه للمرة الأولى في فضاء متوازن ، غير محاصر مباشرة بين قوتين عظميين .
هذه المقاربة المزدوجة تعكس فلسفة أعمق في التفكير السياسي: لا تدخل في مواجهة كبرى قبل أن تملك شروط الصمود. تحييد الخطر أولًا، ثم بناء الكتلة البشرية والمؤسسية، ثم الدخول في المعادلة الدولية من موقع قوة. إنّها فلسفة الزمن السياسي ، حيث يصبح شراء الوقت أداة استراتيجية لحماية الكيان الوليد من الانهيار المبكر. فالرسالة لم تنتصر حينها بالسيف أو بالعدد، بل بانتهاج براغماتية واعية تضع حماية الجماعة فوق كل اعتبار .
وإذا أُسقط هذا المنهج على الواقع المعاصر، يمكن أن نرى ملامحه تتكرر في سلوك النظام السوري الجديد، الذي فتح قنوات للحوار مع إسرائيل بعد أن خرج من أتون الانهيار وحاول أن يؤسس لدولة تتلمس طريقها من جديد. كما لم يكن الإسلام في بداياته قادرًا على مواجهة الروم أو الفرس، فإن سوريا الخارجة من الحرب ليست في موقع يسمح لها بمنازلة إسرائيل عسكريًا أو سياسيًا. لذلك جاء خيار التحييد عبر الحوار لا باعتباره استسلامًا، بل باعتباره وسيلة لخفض التهديد وتأجيل الصدام ، ومنح الدولة فرصة لإعادة البناء وترميم الداخل. في الحالتين، لم يكن المقصود التحالف مع العدو ، بل كسر الطوق الاستراتيجي ومنع استنزاف الكيان الوليد قبل أن يكتسب عناصر القوة .
هكذا يتبين أن ما جرى بين مكة والحبشة واليمن قبل أربعة عشر قرنًا ليست واقعة معزولة عن سياقها السياسي ، بل نموذج متكرر في تاريخ الكيانات الناشئة، حيث يصبح التحييد لا المواجهة هو الخيار العقلاني للبقاء . فالزمن في هذه الاستراتيجية ليس مجرد مجرى طبيعي للأحداث، بل قوة سياسية قائمة بذاتها ، ومن ينجح في امتلاك الزمن عبر تحييد المخاطر ينجح في تحويل الهشاشة إلى رسوخ ، والوجود الطارئ إلى حضور تاريخي فاعل .
(يعاد نشر المقال بطلب من الكاتب)