آخر التحديثاتأبرز العناوينأوراق استراتيجية

حول الصراع على أوروبا وتبعات عسكرتها

الاستماع للمقال صوتياً

المغرب – ورقة استراتيجية

بقلم أيوب نصر

توطئة

راجعني بعض الناس حول ما جادت به قريحتي وجرى على لساني، في لقاء أجرته معي إذاعة سبوتنيك الروسية يوم الخميس 17 يوليو 2025(1)، مطالبين إياي ببيان ما أقمت عليه رأيي وبنيت عليه تحليلي، وذلك أنه أحيانا لا يسمح الوقت أمام الإتيان بدليل وطورا قد يقعد بي الملل والكسل دون الاسترسال في البيان، فأكتفي بإلقاء الرأي على القراء والمشاهدين، هكذا على عواهنه دون التحيز إلى البيان وإقامة البرهان، ويزيد الأمر صعوبة وعسرا أن الدليل والبرهان في التحليل السياسي وتقديرات الموقف يكون الاصل فيه إما معلومات تصل المختص عن طريق قنوات سرية، أو عن طريق الاستقراء، وذلك بجمع الأخبار والأقوال وفرز صحيحها من سقيمها، ثم النظر في صحيحها ومقارنة الألفاظ وتتبع السياقات، وهذه العملية مضنية متعبة ويعسر بيانها في مقال أو لقاء.

والذي روجعت فيه نقطتين، فأما أولاها فهي في قولي: أن الصراع بعدما كان، وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، صراعا على كسب الولايات المتحدة، لكنه الآن قد أصبح، على الأقل من جهة الطرف الروسي، صراعا وامتد على أوروبا.

وأما الأخرى فتتجلى في قولي: أن عسكرة أوروبا تضر بالولايات المتحدة أكثر من ضررها بروسيا، وسأحاول في هذه الكلمات عرض الحجج التي حملتني على قول ما قلته.

الصراع على أوروبا

منذ وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بدأ صراع، خفي أحيانا وظاهر طورا، روسي أوروبي لاستمالة توجهه وكسب مواقفه، بما يخدم  مصلحة كل طرف، لكن وبعد حدوث الجولة الثانية من المفاوضات الروسية الأوكرانية، طرأ تغير طفيف، خاصة من الجانب الروسي، والذي بدأ يحاول كسب الطرف الأوروبي ويرغب في جعله يميل نحو الموقف الروسي، وقد استعلن هذا الأمر وكشف عن نفسه أول مرة، ولو على استحياء، في خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في ختام قمة الإتحاد الاقتصادي الأوراسي الأخيرة بالعاصمة البلاروسية مينسك، والذي قال فيه: “أما نحن فننفق هذه الأموال (أي الخاصة للإنفاق الحربي) لدعم مجمعنا العسكري التقني، وهم ( يريد الأوروبيين) ينفقون 5% للنفقات العسكرية أو لشراء الأسلحة من الولايات المتحدة”(2).

وفي كلامه هذا محاولة لاستمالة الجانب الأوروبي ودفعه نحو عدم رفع الإنفاق العسكري وأنه هو الخاسر الوحيد من كل هذا.

وردا على القرار الأوروبي الخاص باستغلال الأموال الروسية لعسكرة أوروبا، قال ديميتري ميدفيدف، نائب رئيس مجلس الأمن القومي والرئيس السابق لروسيا، قال:

“أذكركم بأن رئيسنا قال بشكل لا لبس فيه إن روسيا ليست لديها أي نية لمحاربة حلف شمال الأطلسي أو مهاجمة أوروبا”(3)، وهو الذي لم نعهد منه هذا الضرب من الخطاب، منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية الذي ينطوي على نوع من التهدئة والتوضيح؟ بل ما عهدناه منه هو عبارات التهديد وألفاظ الوعيد وإلقاء الكلام على عواهنه كما اتفق، منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية.

فهذا ما حملني على قول ما قلته من أن الصراع الآن، على الأقل من جانب الطرف الروسي، أصبح على كسب أوروبا بعدما كان صراعا عليها.

من المتضرر من عسكرة أوروبا؟

عبر التاريخ كانت الدول تتوسع وتبسط سيطرتها وتضمن التبعية لها عن طريق ثلاثة طرق، الاول: التدخل والتوسع العسكري باحتلال البلدان وضم الأراضي وتغيير الخرائط، أو عن طريق الثقافة وما ينطوي تحتها من دين ولغة وأسلوب عيش ونمط حياة، والثالثة عن طريق إعطاء الضمانات الأمنية والحماية العسكرية.

والولايات المتحدة الأمريكية ضمنت التبعية الأوروبية عن طريق حلف شمال الأطلسي، ذلك الحلف الذي أنشيء لحماية الأوروبيين من التوسع السوفياتي سابقا، والأطماع الروسية الحالية، وقد خدم هذا الامر الأوروبيين حتى اقتصاديا، حيث كان اتكال دول الغرب الأوروبي على الحماية الأمريكية سببا في نموهم الاقتصادي ومساهما في جودة العيش التي امتلكها المواطن الأوروبي، وفي الوقت نفسه ضمن للولايات المتحدة التواجد في أوروبا والسيطرة على أكبر رقعة برية على الكوكب( أوراسيا بمعناها الجغرافي) وتضييق على الصين وروسيا في مناطق نفوذهما وحدائقهما الخلفية ( أوراسيا بمعناها السياسي).

وعسكرة أوروبا بالطريقة التي روج لها، تعني بناء تكتل عسكري أوروبي موازي لحلف شمال الأطلسي، وهذا الأمر وإن كان مزعجا للروس إلا أنه يعني بداية تفكك حلف شمال الأطلسي، وبداية تراجع الهيمنة الأمريكية على أوروبا، وبالتالي قطع الروابط مع أوراسيا، بمعناها السياسي والجغرافي، لأن أوروبا الغربية ستكون حينها في غناء عن المظلة الأمنية والعسكرية الأمريكية.

وهذا الذي حملني على قول ما قلته في لقائي الذي أشرت إليه في إذاعة سبوتنيك الروسية.

الهوامش

1_ رابط المقابلة

2_  خطاب بوتين في ختام قمة مينسك 2025

3_ميدفيديف يطالب بتوجيه ضربات وقائية ضد الغرب

https://www.aljazeera.net/news/2025/7/17/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D9%81%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%81-%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8-%D8%A8%D8%AA%D9%88%D8%AC%D9%8A%D9%87-%D8%B6%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9-%D8%B6%D8%AF

زر الذهاب إلى الأعلى