
الرياض وكابول: هدوء استراتيجي
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
كاليفورنيا – مقال الرأي
الدكتور عبيد الله برهاني
تواجه حكومة كابول الحالية حالة ركود و عزلة دولية واسعة ضمن المشهد الإقليمي المعقد. في هذا الإطار، اكتسبت زيارة وفد رابطة العالم الإسلامي برئاسة الدكتور محمد العيسى إلى كابول أهمية استراتيجية، متجاوزة الطابع البروتوكولي. حملت الزيارة دلالات تحول في مقاربة العالم الإسلامي للسلطة الأفغانية، سعيًا لتحويل التواصل إلى حوارات بناءة ومسؤولة لمعالجة القضايا التي تمنع انخراط المجتمع الدولي الكامل مع أفغانستان.
تزامنت الزيارة مع مرحلة تتسم بتفاوت في مواقف الدول الإسلامية تجاه حركة طالبان، حيث بدأ نهج عمليٌّ براغماتي يتبلور تدريجيًّا ليحلّ محلَّ المقاربات الإقصائية السابقة، خاصة من جانب السعودية. وقد بات من الواضح أن تجاهل طالبان لم يعد مجديًا، وأن الحوار المباشر معها أصبح ضرورةً سياسية ودينية وإنسانية ملحّة، لدفعها إلى الوفاء بالتزاماتها، عبر مسار تدريجي من الانفتاح وتجنّب مزيد من العزلة أو الانزلاق نحو التطرف.
تاريخياً، كان للمملكة العربية السعودية حضور فاعل في الساحة الأفغانية، حيث اضطلعت بدور محوري في دعم الشعب الأفغاني إبان فترة الغزو السوفييتي. واليوم، تتبوأ المملكة مكانة بارزة كقوة اقتصادية رائدة في العالم الإسلامي وذات تأثير جيوسياسي كبير، بالإضافة إلى شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن في معالجة الأزمات الإقليمية، مما يمنحها أدوات متعددة لتعزيز الاستقرار في الملف الأفغاني. وعليه، فإن زيارة الدكتور العيسى تندرج ضمن مساعي تفعيل حضور سعودي متجدد يزاوج بين الثقل الاقتصادي والرمزية الدينية والدور السياسي، بهدف تحقيق انخراط بناء ومتوازن يتجنب التصعيد ويسهم في تعزيز الحوار والتهدئة.
الزيارة حملت رسائل متعددة؛ من أبرزها لطالبان أن الطريق إلى القبول الدولي يبدأ من التدرج في الانفتاح والالتزام داخل الإطار الإسلامي، عبر خطوات إصلاحية ملموسة في قضايا حساسة كحقوق المرأة، مكافحة الإرهاب، وتشكيل حكومة أكثر شمولية وتمثيلاً. فالحوار الجاد مع طالبان ممكن فقط إذا توفر انخراط إيجابي من جانبها. كما وجهت الزيارة رسالة للعالم الإسلامي مفادها وجود خيار ثالث بين الحرب والتجاهل، يتمثل في الحوار المؤسسي الذي تمثله رابطة العالم الإسلامي، وهو حوار لا يعني التفويض غير المشروط أو تجاوز مبادئ المساءلة، بل الهدف منه الوصول إلى تسويات واقعية تتيح انخراط المجتمع الدولي في الشأن الأفغاني بشكل كامل. أما الرسالة الثالثة، فكانت موجهة إلى القوى الدولية، لتؤكد قدرة العالم الإسلامي على لعب دور الوسيط والمبادر الفاعل في الملف الأفغاني، بعيداً عن الهيمنة الغربية التقليدية، والإسهام في دفع مسار الاستقرار والأمن في البلاد.
ومع ذلك، لا تخلو هذه الاستراتيجية من تحديات بنيوية، فمرونة طالبان تجاه قضايا جوهرية كحقوق المرأة وحكم القانون لا تزال موضع شك واسع، ما يثير تساؤلات حول إمكانية تنفيذ إصلاحات فعلية. كما تواجه السعودية ضغوطاً من القوى الغربية التي تشترط إصلاحات هيكلية قبل أي تقارب جدي، إلى جانب محدودية الدعم الاقتصادي المتاح، الذي قد يقيّد قدرة الانخراط على تحقيق تغيير ملموس. وبرغم هذه العقبات، تظل زيارة وفد رابطة العالم الإسلامي خطوة تمهيدية لمسار تفاوضي أوسع تقوده السعودية، بهدف إعادة دمج كابول تدريجياً في المنظومة العربية والإسلامية والدولية عبر قنوات غير رسمية لكنها مؤثرة. يشمل هذا المسار نقاشات معمقة حول المطالب الدولية، إلى جانب إطلاق برامج تعليمية ودعوية وفكرية لتعزيز خطاب الاعتدال ومواجهة التطرف، مع تقليص الفجوة بين طالبان والمجتمع الدولي عبر وسيط نزيه وموثوق. وتتضمن المبادرة أيضاً دعماً إنسانياً وتنموياً عبر مشاريع تخضع لإشراف مباشر، من شأنها التخفيف من حدة الأزمة الإنسانية وتعزيز الاستقرار في البلاد.
المجتمع الدولي، وخصوصاً القوى الغربية، يتابع هذه الخطوة بحذر، بين من يراها مدخلاً لـ”شرعنة” طالبان، ومن يعتبرها فرصة لدفع عجلة التغيير من الداخل. كما أن دول الجوار كإيران وباكستان تراقب المشهد عن كثب، نظراً لارتباط أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي بالوضع في أفغانستان. هذا الانخراط الجديد يضع الكرة في ملعب طالبان، ويختبر مدى استعدادها لتحويل الأقوال إلى أفعال تؤسس لشرعية سياسية داخلية ودولية، كما يبرز الحاجة إلى شمولية تمثيل القوى الوطنية الأفغانية وتفعيل الحوار بين مختلف مكونات المجتمع لضمان مسار سياسي عادل وفعّال.
تُعتبر زيارة وفد رابطة العالم الإسلامي إلى كابول جزءاً من تحولات إقليمية أوسع تشهدها السياسة السعودية، التي تتجه نحو دور وسيط فاعل بدلاً من الدور الصامت السابق، لا سيما في اليمن وسوريا. في أفغانستان، تستغل السعودية فراغ الحضور الغربي (خاصة الأمريكي) وانشغال القوى الأخرى (روسيا وأوروبا) لتعزيز نفوذها عبر الدبلوماسية الدينية والمؤسسات مثل “رابطة العالم الإسلامي”. تهدف هذه الدبلوماسية إلى نشر الاعتدال ومكافحة التطرف، وتضع طالبان أمام تحدٍّ: هل ستقبل خطاباً إسلامياً عالمياً منفتحاً أم ستستمر في انغلاقها؟ وسيكون تفاعل طالبان مؤشراً مهماً لمستقبل العلاقة بينها وبين هذه المبادرات
زيارة وفد رابطة العالم الإسلامي إلى كابول لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل خطوة استراتيجية تعكس تحولاً في طريقة التعامل مع الملف الأفغاني. السعودية استخدمت هذه الزيارة لإعادة تأكيد حضورها بصيغة “الاحتواء الناعم”، فيما تسعى طالبان لكسر عزلتها عبر اعتراف ديني وسياسي. اللحظة تمثل اختباراً لفعالية المقاربة الإسلامية في حل الأزمات، وقد تكون بداية لتحول مهم في علاقة كابول بالعالم الإسلامي إذا تم استثمارها بذكاء وواقعية.
هذا التحول في الموقف يطرح تساؤلاً حول إمكانية بلورة تعاون خليجي منسّق وفعال في الشأن الأفغاني، على غرار التعاون السابق في الملف السوري بين الرياض والدوحة وأبو ظبي. والسؤال المطروح هو ما إذا كان هذا النهج السعودي-الخليجي سيعزز الاستقرار في أفغانستان، أم أنه يحتاج إلى دعم أوسع من الدول العربية و الإسلامية والمجتمع الدولي.