
أفغانستان في ظل الاعتراف الروسي
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
تحليل للمواقف الدولية والخليجية والخيارات المستقبلية
الدكتور عبيد الله برهاني- كالفورنيا
شهد الملفُ الأفغاني تحولًا لافتًا بإعلان روسيا اعترافها الرسمي بحكومة الأمر الواقع في كابول، وهي خطوة كسرت جزئيًّا العزلة السياسية المفروضة على كابول منذ أغسطس 2021. لم يكن هذا الاعتراف مجرد قرار ثنائي بين موسكو وكابول، بل رسالة استراتيجية تستهدف إعادة رسم توازنات النفوذ في آسيا الوسطى، وخلق واقع تفاوضي جديد مع القوى الدولية التي ما زالت مترددة في تحديد موقفها من الحركة الحاكمة في أفغانستان.
على الصعيد الغربي، انقسمت الدوائر الأمريكية والأوروبية في التعامل مع الملف الأفغاني بين خيارَي الانخراط المشروط أو المقاطعة الكاملة، وقد زاد الاعتراف الروسي بحكومة الامر الواقع في كابول حالة من الارتباك. يرى الفريق الأول أن الانخراط المشروط مع طالبان أصبح ضرورة لحماية المصالح الأمنية، وضمان تحقيق الأهداف الاستراتيجية في أفغانستان والمنطقة، واحتواء تمدد النفوذ الروسي-الصيني-الإيراني. في المقابل، يرفض الفريق الثاني أي اعتراف أو تعامل رسمي مع حكومة لا تحترم حقوق الإنسان، وتفرض قيودًا صارمة على الحريات العامة، خاصة حقوق المرأة. ورغم هذا الانقسام، يدرك كلا الطرفين أن غياب أدوات ضغط فعّالة داخليًّا، وضعف المعارضة السياسية الهشة والمنقسمة، يجعل من خيار مقاطعة طالبان أمرًا غير مجدٍ، ويدفع باتجاه البحث عن مقاربة بديلة توازن بين المصالح والمبادئ.
في المقابل، حافظت الأمم المتحدة على موقف حذر ومتوازن، إذ تواصل دعوتها إلى حوار مشروط مع طالبان، مؤكدةً ضرورة تشكيل حكومة شاملة تمثل جميع مكونات الشعب الأفغاني. وتشدد المنظمة الدولية على أن تحقيق الاستقرار في أفغانستان ضرورة ملحّة، ليس للبلاد فحسب، بل لأمن المنطقة والعالم، شريطة ألا يكون ثمن ذلك تهميش الحقوق الأساسية للمواطنين، خصوصًا النساء والفتيات، والشرائح الضعيفة من المجتمع. كما تتمسك الأمم المتحدة بفكرة أن العزلة الكاملة لأفغانستان قد تؤدي إلى فراغ خطير تستغله القوى المتنافسة إقليميًّا ودوليًّا.
أما الدول العربية الخليجية، فتتعاطى مع الملف الأفغاني بمنطق أكثر براغماتية، يجمع بين تثبيت الاستقرار الداخلي للبلاد وضمان المصالح الاقتصادية الإقليمية. تنظر العواصم الخليجية، وعلى رأسها قطر والإمارات والسعودية، إلى أفغانستان بوصفها بوابة استراتيجية نحو آسيا الوسطى، وممرًّا حيويًّا للمشروعات الاستثمارية في مجالات الطاقة والنقل والاتصالات. لذلك، تتبنى سياسة دعم استقرار كابول، دون منح طالبان شرعية مطلقة ما لم تلتزم بخطوات إصلاحية واضحة على المستويين السياسي والحقوقي. وبهذا النهج، تسعى هذه الدول إلى لعب دور الوسيط المقبول دوليًّا وإقليميًّا، القادر على تحريك الجمود السياسي، وتهيئة بيئة تسمح بتوافقات مرحلية تؤسس لاستقرار طويل الأمد.
إزاء هذا الواقع المعقّد، تبرز الحاجة إلى تبنّي مقاربة متعددة المستويات في التعاطي مع الملف الأفغاني. وينبغي أن تنطلق هذه المقاربة من تفعيل مسارات الحوار الإقليمي مع حركة طالبان، من خلال وسطاء خليجيين وآسيويين، على أن يُربط أي تعاون اقتصادي أو أمني مستقبلي بتحقيق إصلاحات سياسية ملموسة، وفي مقدمتها ملف الحريات العامة وحقوق المرأة.
وفي السياق ذاته، يُعد من الأهمية بمكان إعادة الاعتبار للأجنحة المعتدلة داخل الحركة، التي لم تحظ بالاهتمام الكافي منذ اتفاقية الدوحة التاريخية، رغم التحذيرات المبكرة التي أشرت إليها آنذاك مع تسمية بعض الشخصيات. فهذه التيارات المعتدلة تمثّل اليوم إحدى الأوراق القليلة القادرة على إحداث ضغط داخلي حقيقي، والمساهمة في إنتاج تغييرات جوهرية، بعيدًا عن الأسماء التقليدية التي فقدت رصيدها الشعبي وثقة الشارع الأفغاني.
في المقابل، يتعين تعزيز النهج الأممي تجاه أفغانستان من خلال إنشاء آلية إقليمية جامعة تضم الدول الكبرى، ودول مجلس التعاون الخليجي، ودول جوار أفغانستان. وتضطلع هذه الآلية بمهمة بلورة خارطة طريق واضحة للتعامل مع سلطة الأمر الواقع، مبنية على تقييم دقيق للمستجدات على الأرض، وتحدد التزامات زمنية مرحلية تلزم الحكام الحاليين بتقديم تنازلات سياسية، وتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي والاجتماعي. من شأن ذلك أن يمهّد الطريق تدريجياً أمام تسوية شاملة للوضع السياسي الراهن، وإنهاء العزلة التي تواجهها أفغانستان.
ويظل ملف حقوق الإنسان، وحقوق المرأة تحديدًا، أداة تفاوض محورية لا ينبغي التهاون بها، على أن يُفصل بين الجوانب الحقوقية والمبادرات الإنسانية والتنموية التي يحتاجها الشعب الأفغاني بعيدًا عن صراعات القوى. وفي هذا الإطار، تمثل الاستثمارات الخليجية والدولية في قطاعات البنية التحتية والطاقة رافعة مهمة لتحقيق مصالح اقتصادية متبادلة، وتوفير بيئة مستقرة اجتماعيًّا وأمنيًّا تقلل من مخاطر الفوضى والاضطرابات.
لقد كشفت التحولات الأخيرة أن أفغانستان لم تعد مجرد ساحة نزاعات عسكرية، بل تحولت إلى ساحة تنافس اقتصادي وسياسي معقد بين القوى الكبرى والإقليمية. وهذا يتطلب التخلي عن منطق الاستقطاب، والانتقال نحو مقاربة شاملة تجمع بين الضغط المنظّم والانخراط الدبلوماسي، وتهيئة بيئة استثمارية وتنموية قابلة للاستمرار. بهذه الصيغة، يمكن للمجتمع الدولي، مدعومًا بدور خليجي متوازن، أن يصوغ رؤية متدرجة تعيد إدماج أفغانستان في النظام الدولي، مع حماية الحقوق الأساسية لشعبها، وتجنيب المنطقة مغبّة صراعات جديدة.
وفي الختام، يبدو أن أفغانستان ستظل تدفع ثمن جغرافيا لعينة لم تختَرها، وخرائط نفوذٍ تُرسم باسمها دون أن يكون لها مقعدٌ على الطاولة. غير أن دروس التاريخ تؤكد أن استقرار هذا البلد لن يتحقّق بمزيد من العزلة ولا بمساومات مؤقتة، بل بإرادة دولية صادقة تُنهي منطق توظيف أفغانستان كساحة تصفية حسابات. ومع انحسار صوت السلاح، تبقى الفرصة سانحة — وإن كانت هشة — لتأسيس سلام حقيقي قوامه العدالة والمصالحة الوطنية، لا صفقات الوكلاء ولا توازنات الخارج. فسلامٌ بلا عدالة، ليس إلا هدنة مؤقتة في انتظار جولة أخرى من الألم.