
حلب وتحديات مجلس الشعب القادم
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
كاليفورنيا – بوابة سوريا
د. أحمد طرقجي
الرئيس السابق لتحالف المنظمات الإنسانية السورية الأمريكية
يطغى على المجتمع الحلبي اليوم نقاش حاد عن طبيعة وفرص مجلس الشعب القادم. ومع اقتراب موعد تشكيل المجلس ، فقد احتدم نقاش الحلبيين بين نقد موضوعي ومحق لأليات عمل المجلس وانتقاء اعضائه من جهة ، وبين العمل على ايجاد برنامج عمل وطني يعيد للمجتمع الحلبي دوره التاريخي في بناء سوريا.
تتمحور معظم حوارات برنامج العمل حول ثلاثة نقاط رئيسية:
١-ضرورة المصالحة المجتمعية داخل المدينة.
فقد كان لانقسام حلب الجغرافي خلال الثوره السورية إلى شرقية وغربية ومناطق وحدات الحماية الأثر المسيطر على جميع مقاربات الحوكمة داخل المدينة. و من الصعب جداً تجاوز جراح القصف والتنكيل والتهجير الذي حل بأهل المدينة ، حيث مازال معظمنا يذكر دموعه وألمه محاصراً داخل المدينة أو مهجراً عنها. لكن بدون أدنى شك ، فإن النظام المجرم قد نجح من خلال أزلامه بزرع الفتنة بين أهل المدينة وتجيير النقمة عليه بإلباسها لجزء من مجتمع حلب الغربية. هذا المجتمع مثل كل مجتمعات المدن الكبرى في دمشق وحمص وحماه، لم يهاجر المدينة و لكنه أيضاً لم يتماهى مع النظام في إجرامه. لكن مع بطء خطوات العدالة الإنتقالية و العزل السياسي لشخوص النظام ، و مع الضعف الحالي لإمكانات إعادة البناء و جبر الضرر قدر المستطاع، فإن التشنج الحالي سيُضعف حتماً تمثيل المدينة ويضعف قدرتها على طرح اجندة محلية متماسكة أو أجندة وطنية فعالة . من هنا تبرز الحاجة لقيادات مجتمعية داخل المدينة قادرة على تفعيل مصالحة ومصارحة اجتماعية مع التأكيد على ابعاد شخوص النظام السابق عن الحياة السياسية ومحاسبة المسؤولين.
٢-تطوير الادارة المحلية والتشكيلات القضائية داخل المدينة. فقد أدت المركزية الشديدة للنظام السابق لإضعاف قيادات المدينة بشكل غير مسبوق وغير موصوف تاريخياً. فحتى مع إنهيار السلطنة العثمانية و فراغ السلطة حينها إلا أن طروحات قيادات حلب مع الأمير فيصل حينها لبناء الدولة الجديدة والدستور الجديد مازالت حاضرة و موثقة تاريخياً.
تجسد تهميش المدينة وقدراتها لسنين طويلة بإهمال التخطيط الفعال لتطوير المدينة و تنظيمها مجتمعياً وتقويض كوادرها القيادية لصالح نظام مركزي مشوه و محسوبيات مركزية لم ترى في المدينة إلا مصدراً للاستنزاف المالي والاستزلام. فحلب هي الأعلى كثافة سكانياً وتحتضن ربع سكان سوريا بما فيهم العدد الأكبر من الطبقة العاملة الصناعية ومع ذلك فحجم العشوائيات تجاوز ثلث مساحة المدينة، و القدرات الخدمية والبنى التحتية في حالة انهيار مزري، و المستوى العلمي والعملي لجامعاتها في تراجع كبير حتى مقارنة مع الجامعات المنشأة حديثا في المحافظات الأخرى .
ينعكس هذا الضعف حتى على قدرات وصلاحيات الجهاز القضائي والقانوني في المدينة مع تغييب شبه كامل لجميع مبادارات الإصلاح القضائي والقانوني المطروحة محلياً لتخفيف العبء عن المواطنين وتطوير القدرات المحلية للسلطة القانونية .
يفرض هذا الواقع الصعب تحدياً مضاعفاً على ممثلي المدينة في المجلس القادم، فالمدينة منوط بها حمل كبير كرافعة وطنية مجتمعية يقابلها ضعف غير مسبوق لهذه الرافعة و حاجة حتمية للتركيز على اجندة محلية متمكنة ومتوازنة مع الاطار الوطني العام.
٣-تحديات التنمية الصناعية والتجارية المتوازنة. فالقطاع الصناعي والتجاري في المدينة شكل تاريخياً مصدراً لنصف الصادرات السورية وحوالي ثلث الاقتصاد السوري، تأسس هذا التأثير على عدة عوامل رئيسية منها تكامل المدينة مع المدن المجاورة كما في المشاريع الكبرى لزراعة القطن وصناعة النسيج، و سهولة حركة رأس المال والبضائع لوجود المدينة على طريق الحرير وطرق التجارة ، و تراكم الخبرات الصناعية والتجارية. ومع أن الرغبة الحالية لإعادة تأهيل البنية التحتية محمودة حتماً، إلا أن عدم وضوح الرؤية عن كيفية ربط القطاعين التجاري و الصناعي مع الأسواق المجاورة و تسهيل حركة رؤوس الأموال والخبرات إلى المدينة ينبئ بمحدودية الأثر. وهنا لابد من الحديث عن تخوف المختصين من عدم وضوح مستقبل الشراكة الاقتصادية والصناعية مع القطاع الصناعي والتجاري في تركيا تحديداً . فالمدينة تاريخياً لها روابط اجتماعية قوية مع تركيا ، وزاد عليه مؤخراً موقف الشعب التركي باستضافة جزء كبير من الشعب السوري خلال الثورة السورية. لكن طبيعة هذه الصداقة و الأخوة تختلف عن الطبيعة التنافسية للتعامل التجاري بين الجانبين و خصوصا ًمع تشابه المنتجات و تشابه أسواق التصريف. طبعاً مع الإعتراف بالفجوة الكبيرة حالياً على صعيد الخبرات ومصادر التمويل والوصول إلى الاسواق العالمية لصالح المؤسسات التركية.
تفرض هذه التحديات حملاً مضاعفاً على ممثلي المدينة ، لإن تأثير التوازنات السياسية قد يكون على حساب الأولويات الاقتصادية للمدينة لسنوات طويلة قادمة.
تتنقل المدينة اليوم من مرحلة التحرير إلى مرحلة البناء مما يضع مسؤولية مضاعفة على جميع متصدري العمل العام وخصوصاً مجلس الشعب. هي مرحلة تاريخية صعبة تتطلب الخروج من التركيز على تسيير الأعمال اليومية إلى إحداث تغيير فاصل في المدينة يؤسس على دورها التاريخي وتطلعاتها المستقبليه لبناء سوريا.