
واشنطن والخليج: من الضمان الشامل إلى الشراكة المشروطة
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
مقال الرأي – البيت الأبيض يالعربية
كاليفورنيا – الدكتور عبيد الله برهاني
لم تعد منظومة الأمن الخليجي تُقرأ ضمن ثبات الدور الأمريكي التقليدي، بل في سياق تحوّل بنيوي يعيد تعريف هذا الدور من “ضامن شامل” إلى “شريك أمني مشروط”. في هذا الإطار، تتبدّل أنماط الحضور والنفوذ عبر إعادة هيكلة الوجود العسكري، واتساع خيارات الشراكة الخليجية، وبروز أنماط جديدة من الردع الهجين. وانطلاقًا من مقاربة تجمع بين منطق الاستقرار المهيمن وديناميات التحالفات الشبكية، تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك مسارات هذا التحول واستشراف مآلاته، في لحظة انتقالية دقيقة لا تنحسر فيها المظلة الأمريكية بقدر ما يعاد تشكيل أدواتها ووظائفها، ضمن سيناريوهات و احتمالات متعددة.
يمرّ الخليج العربي بمرحلة تحوّل أمني مفصلية تتجاوز احتمال أي مواجهة إيرانية أمريكية، نحو إعادة تشكيل أعمق لمنظومة الأمن الإقليمي. فالنموذج التقليدي القائم على مظلة أمريكية شبه مطلقة لم يعد يعمل بالفاعلية السابقة، لكنه لم يتفكك بالكامل، بل يتجه إلى إعادة صياغة تدريجية.خ
منذ مبدأ كارتر عام 1980، استند أمن الخليج إلى التزام أمريكي بحماية المصالح الحيوية في المنطقة. غير أن تحولات ما بعد 2003، وتداعيات الربيع العربي 2011، وصعود أدوات الصراع غير التقليدية، كشفت حدود هذا النموذج وأضعفت يقين الردع التقليدي.
في المقابل، أعادت واشنطن تعريف التزامها الأمني باتجاه شراكة أكثر انتقائية تقوم على تقاسم الأعباء، ما قلّص من وضوح الضمانات السابقة. ومع اتساع التهديدات الإقليمية وتعدد أدواتها، اتجهت دول الخليج إلى تنويع شراكاتها وتعزيز قدراتها الذاتي
وعليه، يتبلور اليوم نموذج أمني جديد يقوم على التعدد والتوازن وإدارة المخاطر، بدل الاعتماد على قوة ضامنة واحدة، في تحول يعيد صياغة مفهوم الأمن الخليجي ذاته.
تفترض نظرية الاستقرار المهيمن أن النظام الدولي يستقر بوجود قوة كبرى توفر الأمن العام، وقد أدّت الولايات المتحدة هذا الدور في الخليج منذ 1971. غير أن التحول الحالي يعكس انتقالًا من هيمنة مركزية إلى هيمنة شبكية، تتوزع فيها مسؤوليات الأمن بين فاعلين متعددين بدل احتكارها من طرف واحد.
وفي هذا السياق، لم تعد التحالفات قائمة على اصطفاف ثابت، بل على شبكات مرنة وشراكات انتقائية تتغير وفق الملفات والمصالح، وهو ما يصف انتقال دول الخليج من اعتماد شبه كامل على واشنطن إلى تنويع محسوب لعلاقاتها الدولية.
كما تطور مفهوم الردع من البعد التقليدي العسكري إلى ردع هجين يجمع بين الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة، والقدرات السيبرانية، وأنظمة الدفاع متعددة الطبقات، ما أعاد تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية.
تاريخيًا، مرّ الأمن الخليجي بمحطات مفصلية: انسحاب بريطانيا 1971، مبدأ كارتر 1980، حرب الخليج 1990–1991، غزو العراق 2003، الربيع العربي 2011، ثم مرحلة التنويع منذ 2018 وصولًا إلى تقارب بكين 202
أما في السياسة الأمريكية، فقد انتقل النهج من ضمان أمني شامل إلى شراكة مشروطة تقوم على تقاسم الأعباء وإعادة تعريف الالتزامات في الإقليم
أدوات الشراكة الأمنية الجديدة والتحول الاستراتيجي في الأمن الخليجي
تشهد الشراكة الأمنية الأمريكية تحولاً نحو أدوات غير تقليدية تشمل التكامل الدفاعي (IAMD)، وإعادة ترتيب الأولويات عبر استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ، إلى جانب أدوات ناعمة كالأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والشراكات الشبكية مثل I2U2.
ويعكس ذلك انتقال واشنطن من “الضامن الشامل” إلى “الأمن المشترك المشروط” القائم على النفوذ الشبكي والتكنولوجيا بدل الوجود العسكري المباشر.
وفي الملف الإيراني، تعتمد الولايات المتحدة مقاربة تجمع بين الردع والاحتواء مع إبقاء قنوات خفض التصعيد مفتوحة.
المواقف الخليجية: تحولات المشهد وتعدد المقاربات الاستراتيجية
تشهد السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مساراً متدرجاً نحو تبني مقاربات تقوم على تعدد الخيارات الاستراتيجية، في ظل بيئة إقليمية ودولية تتسم بالتعقيد وإعادة تشكل موازين القوى. ويعكس هذا التحول سعي الدول الخليجية إلى تحقيق توازن دقيق بين اعتبارات الأمن التقليدي ومتطلبات التنمية والتحديث الاقتصادي.
وفي هذا السياق، تمضي كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر في ترسيخ نهج أكثر استقلالية في إدارة خياراتها الاستراتيجية، من خلال تنويع الشراكات الدولية والانفتاح المدروس على قوى دولية وإقليمية فاعلة مثل الصين وروسيا وإيران، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة بوصفها إطاراً أمنياً مرجعياً.
ويُلاحظ أن هذا التوجه يعكس انتقالاً تدريجياً من الاعتماد التقليدي على مظلة أمنية خارجية إلى مقاربة أكثر توازناً تقوم على تعزيز القدرات الذاتية وتوسيع هامش الحركة الدبلوماسية والاقتصادية، بما في ذلك الاستثمار في القطاعات المستقبلية مثل التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، إلى جانب تعزيز أمن سلاسل الإمداد العالمية. ويهدف ذلك في مجمله إلى تحويل القوة الاقتصادية المتنامية إلى نفوذ جيوسياسي أكثر فاعلية ومرونة.
في المقابل، تواصل كل من دولة الكويت ومملكة البحرين اعتماد مقاربة أكثر تحفظاً في سياستيهما الدفاعية، تقوم على ترسيخ الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة بوصفها ركناً أساسياً في منظومتهما الدفاعية، مستندتين إلى اعتبارات جغرافية وسياسية وتاريخية أسهمت في تكريس هذا النمط من الاعتماد الأمني طويل الأمد.
تتبع سلطنة عُمان نهج الحياد الإيجابي والدبلوماسية المتوازنة، وتضطلع بدور الوسيط الموثوق عبر قنوات خلفية مع مختلف الأطراف، بما فيها طهران وموسكو والعواصم الغربية، ما يعزز مكانتها كمنصة للحوار وخفض التصعيد وعنصر استقرار إقليمي.
ختاما: رغم من استمرار واشنطن كفاعلٍ محوري، فإن دورها يتجه تدريجياً نحو نمطٍ أكثر مرونة ضمن “شبكة نفوذ” متعددة الأدوات. ويبقى التحدي الجوهري ماثلاً في قدرة دول الخليج على توسيع هامش حركتها دون إنتاج فراغات أمنية، وفي مدى استعداد الولايات المتحدة لتحمّل كلفة الشراكة المشروطة في بيئة دولية تتسم بالتحول وعدم اليقين