العد تنازلي يبدأ في تل أبيب
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
واشنطن – تقدير موقف
يتظاهر البعض بأن جنيف هي الوسيلة الأخيرة (وقد تكون أفضل المتاح) للخروج من المعضلة الإيرانية- وكأن عراقجي وويتكوف سيتمكنان من التوصل بيسر إلى إزالة أجهزة الطرد المركزي بمجرد احتساء أول فنجان من قهوة الإسبريسو الدافئة وهما يجلسان على مقعد وثير في جنيف وينظران إلى الثلج من النافذة.
يا لها من مغالطات! رئيس الوزراء الإسرائيلي #نتنياهو كان قد أخبر الرئيس ترامب حين التقاه مؤخراً في البيت الأبيض، وفي اجتماع الرجلين الثامن خلال سنة واحدة فقط، برأي حكومته: لا اتفاقاً يُبقي لطهران ولو نثرات من اليورانيوم المخصب، ولا مصافحة إلا إذا تم التخلص من الصواريخ ومنصاتها.
المغزى؟ الدبلوماسية على حافة الانهيار قبل أن تنطلق، وقد أعلنها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أمس من ميونخ خلال مؤتمر الأمن أن “المحادثات أمر صعب”. في واقع الأمر، تل أبيب هي من تُمسك بزمام الأمور.
هل تذكرون يونيو 2025؟ السيناريو عينه يكاد يتكرر (تعثرت المحادثات الأميركية، إيران استهزأت، وإسرائيل قصفت). وإثر اثني عشر يومًا فقط، تحولت مختبرات نطنز وفوردو الإيرانيتان إلى حفرتين؛ وقفز احتمال ترميمهما إلى سنوات من الزمن. صرخت طهران ألماً في رد فعل متخبط، وأطلق وكلاؤها الصواريخ، لكن لم يمس شيء حيفا.
العبرة؟ عندما تستطيع أن تضرب أولًا، افعل! الانتظار في هذه الحالة يمنح العدو القدرة في الضغط على زر إعادة التعبئة. حسابات نتنياهو لم تتغير. فكل يوم إضافي من الثرثرة السياسية حوّل العالم سيُمكّن إيران من نشر أجهزة الطرد المركزي تحت الأرض، ودفن الوقود في ملاجئ جبلية، أو -الأسوأ من ذلك- تهريب رؤوس حربية إلى أحد وكلائها وفي مقدمتهم حزب الله.
يُلوّح ترامب بفرصة عادلة لمدة ثلاثين يومًا، لكنه في الوقت نفسه قرّب حاملة الطائرات الأميركية جيرالد فورد أكثر من المرة السابقة من السواحل الإيرانية وهي تبحر اليوم إلى جانب الحاملة أبراهام لنكون. هذا ليس صنع سلام، بل مجرد استعراض حتى تتمكن إسرائيل من التحرك دون أن تبدو مبادرة بالحرب.
تشير المعلومات الاستخباراتية القادمة من تل أبيب أن إيران ستُؤجل محادثات الصواريخ حتى الصيف، مُراهنةً على تزايد التعب أو الملل السياسي الدولي. بينما يُسرّب فريق نتنياهو صورًا من الأقمار الصناعية يوميًا -صوامع جديدة، أنفاق مكتشفة. اما الوكالة الدولية للطاقة الذرية فقد سجّلت على طهران مئتي كيلوغرام من اليورانيوم بنسبة 60% الشهر الماضي – ما يكفي لصنع أربع قنابل إذا ما تمّت السيطرة عليها.
لا يُمكن لإسرائيل المُقامرة بالعقوبات أو إعادة فرض العقوبات؛ فهذه مهمة تستغرق شهورًا، بينما تعمل أجهزة الطرد المركزي في غضون ساعات. لذا توقعوا ضربة قبل عيد الفصح اليهودي، لا بعده. ربما تبدأ بهجوم إلكتروني – ستوكسنت 3.0 – ثم قنابل خارقة للتحصينات إذا استمرت أجهزة الطرد المركزي بالعمل.
ستتذمر الولايات المتحدة، بالتأكيد، لكنها ستقوم حكماً بتزويد الطائرات بالوقود في الجو!
فصل المقال يكمن في أن إسرائيل لا تنتظر فشل المفاوضات – بل هي تحدد الفشل قبل المصافحة الباردة الأولى. جنيف بنظر نتنياهو ليست سوى عداد تنازلي يدق بصوت أعلى مع كل وعد إيراني أجوف – وعندما يصل إلى الصفر، لن تتوقع طهران ذلك؛ سيشعرون فقط باهتزاز الأرض