آخر التحديثاتأبرز العناوينمقال الرأي

العالم لا يُبنى بالكراهية

الاستماع للمقال صوتياً

مقال الرأي بقلم  

ناصر عبدالله – عضو هيئة التحرير

على مدى عقود طويلة، تشكلت في عقول أجيال كاملة صور متناقضة عن الولايات المتحدة الأمريكية. هناك من يراها رمزًا للحرية والتقدم العلمي والديمقراطية، وهناك من يراها سببًا في كثير من الحروب والصراعات. لكن الحقيقة الأعمق هي أن الشعوب لا يجب أن تُختزل في سياسات الحكومات، وأن الكراهية الجماعية لا تصنع مستقبلًا أفضل لأي أمة.

حين ننظر إلى التاريخ الحديث، نجد أن الولايات المتحدة قدمت مساعدات اقتصادية وعسكرية وإنسانية لدول كثيرة حول العالم، ومنها دول عربية وإفريقية. فقد ساهمت في دعم برامج الغذاء والتنمية ومواجهة المجاعات والكوارث الإنسانية في إفريقيا، كما دعمت دولًا عديدة اقتصاديًا وعلميًا وتقنيًا. وفي مجالات التكنولوجيا والطاقة، لعبت الشركات والخبرات الأمريكية دورًا مهمًا في تطوير صناعة النفط والغاز في عدد من الدول العربية، مما ساهم في نهضتها الاقتصادية الحديثة.

وفي الحروب العالمية، ضحى مئات الآلاف من الجنود الأمريكيين بأرواحهم في أوروبا وآسيا ضمن تحالفات دولية هدفت إلى مواجهة النازية والفاشية. هذه التضحيات أصبحت جزءًا من الذاكرة التاريخية للعالم، مثلها مثل تضحيات شعوب أخرى كثيرة شاركت في تلك الحروب.

كما أن الجامعات والمعاهد الأمريكية استقبلت ملايين الطلبة من مختلف دول العالم، وتخرج فيها علماء ومهندسون وأطباء وقادة أعمال ساهموا في بناء أوطانهم. وفي المقابل، استغل عدد محدود من المتطرفين هذا الانفتاح لأهداف إرهابية، كما حدث في هجمات 11 سبتمبر 2001، وهي جريمة أدانها العالم بأسره، ولا يمكن أن تُستخدم للحكم على شعوب أو أديان كاملة.

ومن الخطأ كذلك اختزال أسباب الكراهية في طرف واحد فقط. فالأنظمة الدكتاتورية، والإعلام الموجه، والصراعات السياسية، والحروب، والاحتلالات، والأزمات الاقتصادية، كلها ساهمت عبر عقود في تشكيل مشاعر الغضب والعداء بين الشعوب. بعض الأنظمة استخدمت خطاب الكراهية لتبرير فشلها الداخلي أو لإلهاء شعوبها عن قضايا الحرية والتنمية، وفي المقابل ارتُكبت أيضًا أخطاء وسياسات دولية زادت من فقدان الثقة وأشعلت الصراعات.

إن الدفاع الحقيقي عن الحرية والديمقراطية لا يكون بتمجيد دولة أو شيطنة أخرى، بل بالتمسك بقيم العدالة وحقوق الإنسان وكرامة الشعوب كافة. فلا توجد أمة كاملة، ولا شعب يستحق الكراهية الجماعية.

الشعب الأمريكي، مثل أي شعب آخر، يضم أناسًا عاديين: أطباء، معلمين، عمالًا، طلابًا، وأسرًا تبحث عن حياة كريمة وأمان ومستقبل أفضل لأطفالها. وكما نرفض أن يُحكم علينا من خلال أخطاء حكوماتنا، يجب أيضًا ألا نحكم على الآخرين بهذه الطريقة.

العالم اليوم بحاجة إلى الحوار بدل التحريض، وإلى الفهم بدل الكراهية، وإلى بناء الجسور بدل توسيع الانقسامات. فالحضارات تتقدم بالتعاون والعلم والاحترام المتبادل، لا بالغضب الأعمى أو العداء الدائم.

الكراهية قد تصنع ضجيجًا مؤقتًا، لكنها لا تبني وطنًا، ولا تصنع مستقبلًا، ولا تحفظ كرامة الشعوب. أما الوعي، والإنصاف، والنظر إلى التاريخ بعين متوازنة، فهي الطريق الحق نحو عالم أكثر عدلًا وسلامًا.

ناصر عبدالله

عضو هيئة تحرير البيت الأبيض بالعربية
زر الذهاب إلى الأعلى