آخر التحديثاتأبرز العناوينمقال الرأي

مخاطر التخلّي عن الشرق الأوسط

الاستماع للمقال صوتياً

مطلوب سياسة قوية تجاه إيران، وإلا تضاءل نفوذ الولايات المتحدة وتعرض الاستقرار للخطر

مقال رأي بقلم والتر راسل ميد- وول ستريت جورنال

نقله إلى العربية المهندس بسام أبوطوق

واجه مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض، جيك سوليفان، لدى زيارته إسرائيل هذا الشهر، أجواء غير متوقعة من التقارب الاستراتيجي بين المخاوف الإسرائيلية والأمريكية؛ فقد أصبحت وجهات النظر الأمريكية والإسرائيلية تجاه إيران أكثر توافقا بعدما أظهرته طهران من تواطؤ مع موسكو في حربها على أوكرانيا.

ولكن حتى مع تضييق الفجوة الاستراتيجية، فإن الفجوة الأخلاقية آخذة في الاتساع، فمواقف الحكومة الإسرائيلية الجديدة بشأن المستوطنات والسلطة الفلسطينية الحالة العلمانية في البلاد، وتعديل قانون العودة لليهود، وتغيير ميزان القوى بين المحكمة الإسرائيلية العليا والكنيست، كلها إجراءات جديدة تتعارض مع قيم سياسة إدارة بايدن، فضلاً عن المواقف الاجتماعية الراسخة، والمعتقدات الثقافية للعديد من الليبراليين واليهود الأمريكيين.

وقد قام وزير إسرائيلي بزيارة استفزازية للموقع المقدس المعروف لدى المسلمين بالحرم الشريف، ولليهود باسم جبل الهيكل. وفرضت الحكومة الجديدة قيودا على رفع الأعلام الفلسطينية على الأماكن العامة، وعرقلت وصول عائدات السلطة الفلسطينية، ومنعت أنشطة البناء في أراضي السلطة، وقطعت امتيازات السفر لكبار الشخصيات الفلسطينية. ومع تصاعد التوتر في الضفة الغربية، يشعر مسؤولو بايدن بالاستياء مما يرون أنه أفعال إسرائيلية غير مبررة يمكن أن تؤدي إلى جولة أخرى من الصراع.

في الوقت نفسه، الشرق الأوسط بأكمله في حالة تغير مستمر. فقد أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى تدفق السيولة إلى المنطقة، ما عزز ثقة وقوة الحكام في المنطقة. بينما تعمل الصين على رفع مكانتها الاقتصادية والسياسية في مجال حيوي أساس لمستقبلها. وتتطلع الإمارات العربية المتحدة وتركيا وروسيا إلى إحباط السياسة الأمريكية في سوريا.

الميزان الدبلوماسي الأوروبي يتغير أيضاً بسرعة مطردة. وقد تلاشت الآمال الأوروبية الممتدة في فكرة احتواء إيران، حيث أدت وحشية النظام في ظهران في الداخل وتواطؤه مع العدوان الروسي على أوكرانيا إلى إفساد تطلعات الأوروبيين في إقامة علاقات مجدية وسلمية مع الملالي.

تأتي زيارة السيد سوليفان بعد 15 عاما من التراجع في النفوذ الإقليمي لأمريكا، حيث يبدي الإسرائيليون والعرب والإيرانيون والأتراك تراجعاً لاهتمامهم بالقوة الأمريكية – وبالتالي لجهة تحقيقهم رغبات الولايات المتحدة مما كان عليه الحال في عام 2008. وقد ترك ارتباك الرئيس أوباما وتحولات الرئيس ترامب القوى الإقليمية متشككة بشأن الحكمة الأمريكية و وقدرتها على تحقيق الاستقرار في المنطقة.

تواجه إدارة بايدن معضلة حقيقية، حيث يشعر البيت الأبيض بالعبء نتيجة العدوان الروسي على أوكرانيا، ولتعاظم الطموح الصيني في المحيطين الهندي والهادئ؛ ويريد في الوقت نفسه تقليص نشاطه في الشرق الأوسط. إلا أن المنطقة مهمة للغاية بحيث لا يمكن تجاهلها، بينما يزداد نفوذ حكوماتها المحلية كيفما انسحبت الولايات المتحدة منها، ويشعر اللاعبون الإقليميون بالحرية في اتخاذ المزيد من القرارات التي لا تستسيغها واشنطن، ما يقوض بشكل فعال نفوذ الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم.

ومن المفارقات بعد أن أمضى التقدميون في الولايات المتحدة عقودا في إدانة تحيز أمريكا لإسرائيل، وتحالفاتها المناهضة للديمقراطية مع الأنظمة الاستبدادية في جميع أنحاء المنطقة، فإن الفلسطينيين ونشطاء حقوق الإنسان هم بالتحديد أكبر الخاسرين من الانسحاب الأمريكي.

يحتاج الفلسطينيون إلى وسطاء خارجيين لإقناع تل أبيب بتنازلات لا يستطيع الفلسطينيون انتزاعها بمفردهم. وعلى الرغم من أخطاء الأمريكيين من وجهة نظر فلسطينية، فإن لديهم التزاما أقوى بالدولةالفلسطينية أكثر من معظم الحكام العرب. بينما يحصل نشطاء حقوق الإنسان والديمقراطية على مساحة أكبر للحركة عندما تخشى الحكومات العربية استياء أمريكا أو تأمل في كسب دعم واشنطن.

في الوقت الحالي، فإن ما يشعل بال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هو المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وليس الولايات المتحدة؛ بينما يكافح لتحقيق التوازن بين مطالب شركائه في التحالف اليميني المتطرف ومصالح إسرائيل الوطنية.

يريد السيد نتنياهو تمديد اتفاقات أبراهام، وليس كسرها، ويحتاج إلى أخذ المخاوف العربية بعين الاعتبار بينما يصوغ سياساته بشأن المستوطنات والحرم الشريف.

إذا أراد السيد بايدن استعادة النفوذ الأمريكي في المنطقة، فلا يزال بإمكانه فعل ذلك، علما أن الثمن هو ما كان عليه منذ 15 عاما. إن وجود سياسة أمريكية حازمة وفعالة لتعطيل قدرة إيران على تهديد جيرانها العرب، مقترنة بإجراءات لضمان أن إسرائيل وأصدقائها يمكنهم – إذا فشل كل شيء آخر – القيام بعمل عسكري لعرقلة برنامج طهران النووي، من شأنه أن يعيد الولايات المتحدة إلى هيبتها ومكانتها في الشرق الأوسط.

حقا أن تكلفة استمرار النفوذ عالية، لكن العجز عن دفع التكلفة أكثر ضررا على المدى الطويل. وإذا كانت رسالة السيد سوليفان إلى القدس هي أن السيد بايدن مستعد للمشاركة الجادة، فإن الرد في إسرائيل وخارجها سيكون اهتماما أكبر بالمخاوف الأمريكية. خلاف ذلك، ستستمر إسرائيل وجيرانها في اتخاذ قرارات أقل اهتماما بالمصالح الأمريكية، وستكافح إدارة بايدن لإدارة العواقب.

زر الذهاب إلى الأعلى