آخر التحديثاتأبرز العناوينمقال الرأي

مسؤولية اليسار العربي ودوله في صعود التيارات الدينية

الاستماع للمقال صوتياً

المحامي ادوار حشوة

في العام 1985 دعا الحزب الشيوعي اللبناني كافة الأحزاب اليسارية في المنطقة العربية إلى مؤتمر في  مدينة طرابلس خلال شهر تشرين الثاني من ذلك العام.

في المؤتمر قدمتُ مداخلتي باسم حركة الإشتراكين العرب في سوريا وعنوانها:  التيارات الدينية المعاصرة.
.
المداخلة اتسمت بالصراحة والنقد الذاتي بعيدا عن المدح والنفاق، وذهبت إلى عمق الأزمة التي  تواجه وستواجه أحزاب اليسار العربي منذ ذلك الوقت. وقد وصفها الشهيد جورج حاوي، رئيس الحزب الشيوعي اللبناني، بأنها “دقّت نواقيس الخطر”.

بإيجاز شديد قلت في المداخلة:

يجب على أحزاب اليسار العربي أن تعترف بأخطائها ومسؤوليتها عن صعود التيارات الدينية المعاصرة، فقد أعطتها المبرر لتنجح في أن تطرح نفسها بديلا.

الواقع السيء لعمل حركات اليسار العربي حمل الأدلة على فشل هذا اليسار في شعارات أطلقها منها الوحدة العربية وتحرير الأرض المحتلة، وكذا في اعتماده التطبيق الإشتراكي العشوائي في أنظمة حكم اعتمدت سياسات البطش عبر الأحكام العرفية، وقضت على الحريات.

وجدت التيارات الدينية تشجيعا شعبيا، وارتأت الحل في العودة إلى السلفية الدينية.
فحين لا نسمح للناس أن يتنفسوا سياسيا سوف يتنفسون دينيا لأن حالة التسامح الديني تسمح لهم بنشاط لا يتوفر في الساحة السياسية.

إن مواجهة هذه التيارات بالعنف والقمع البوليسي ليس حلا، والحل هو في إعادة تقييم سلوك أحزاب اليسار العربي والدول التي تنسب نفسها إليه.

وإن اعتماد واحترام الحريات وإطلاقها كفيل بتأمين حالة دفاع ضد الأحزاب الدينية، لأن شعبنا ليس مع السلفية الدينية، كما أنه ليس مع الاستبداد والقمع والأحكام العرفية، وحين تتوفر الحرية فإن التيارات الدينية ستصبح عاجزة عن إثبات ضرورتها في مجتمع حر.

في مواجهة من يدعو إلى دولة دينية، يجب على أحزاب اليسار العربي أن تذهب بشجاعة إلى أسس الدولة العلمانية التي تفصل الدين عن السياسة وتفصل اليسار عن القمع.

لم يصنع هذه التيارات الدينية المعاصرة لا الاستعمار ولا الرجعية، بل من صنعها نحن اليسار العربي، وصنع الدول التي تنسب نفسها لهذا اليسار، والتي تحولت إلى الاستبداد وقمعت الحريات فاغتربت عن الشعب وسهّلت صعود التيارات المتشدّدة.

فاجعة كبيرة أن نكون بين خيارين: أحكام الطوارئ التقدمية من جهة، وأحكام المشانق الدينية من أخرى.

 ما بين النارين نحن نختار الحرية مع التنمية، ونختار العدالة مع الرقابة، وذلك في دولة علمانية ينتمي شعبها إلى الأرض لا إلى طوائفها وأديانها وقومياتها.

إذا لم تنصلح أحزاب اليسار العربي والدول التي تنسب نفسها إليها – أو تدعيه – عليها أن تنتظر مشانق التيارات الدينية.

كانت هذه الصرخة عام 1985، والمسافة منه حتى اليوم أثبتت أننا في نقدنا المباشر كنا على حق.

المحامي أدوار حشوة

محامي وسياسي ومفكّر سوري أميركي له ما يزيد على 30 مؤلّف في السياسة والأدب والقانون
زر الذهاب إلى الأعلى