آخر التحديثاتأبرز العناوينحدث اليوممقال الرأي

آفاق الاستراتيجية الأميركية الخليجية

الاستماع للمقال صوتياً

اليمن والبحر الأحمر: آفاق الشراكة الاستراتيجية الأمريكية الخليجية

بقلم: د. عبيد الله برهاني

تتجاوز التطورات المتسارعة في اليمن حدود الصراع الداخلي، لتضع أمن الخليج والبحر الأحمر والمصالح الدولية أمام اختبار استراتيجي مترابط. فمع تصاعد المواجهات بين الحوثيين والقوات اليمنية المدعومة من السعودية، وامتداد التهديدات إلى الأراضي السعودية والممرات البحرية، تزداد أهمية الشراكة الأمريكية الخليجية في حماية الاستقرار الإقليمي، ومنع تحول الأزمة اليمنية إلى مواجهة أوسع يصعب احتواء تداعياتها.

وفي هذا السياق، عبّر الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الأسبق، عن قلقه إزاء التهديدات التي تواجه السعودية، داعيًا دول مجلس التعاون الخليجي إلى تجاوز خلافاتها والوقوف عمليًا وبحزم إلى جانب المملكة. وحذّر من أن التهديدات المنطلقة من اليمن، وفق تقديره، ترتبط بحسابات تتجاوز حدوده، وأن الاكتفاء ببيانات التضامن لا يكفي لمواجهة المرحلة الراهنة. وتعكس هذه الدعوة أهمية الانتقال من التأييد السياسي العام إلى تنسيق خليجي يعزز الأمن المشترك، مع إبقاء المجال مفتوحًا أمام المساعي الدبلوماسية.

أمن السعودية واستقرار الخليج

يمثل أمن السعودية ركيزة أساسية لاستقرار الخليج، بالنظر إلى مكانتها السياسية والاقتصادية ودورها في أسواق الطاقة والتجارة الدولية. ولذلك، فإن الهجمات على أراضيها ومنشآتها الحيوية لا تمثل تحديًا ثنائيًا فحسب، بل قد تؤثر في ثقة المستثمرين، وحركة الطيران، واستقرار الأسواق، وأمن الممرات التجارية.

ومن هنا، تبرز أهمية الشراكة الأمريكية الخليجية في تعزيز الدفاع الجوي والإنذار المبكر وتبادل المعلومات الاستخباراتية وحماية المنشآت الحيوية. كما أن توحيد الموقف الخليجي لا يعني بالضرورة تطابق جميع الدول في تقدير كل عملية عسكرية، بل الاتفاق على أهداف واضحة: حماية السعودية، ورفض استهداف المدنيين، وصون الملاحة الدولية، ومنع اتساع المواجهة.

ويمكن لواشنطن أن تدعم هذا التوجه عبر تنسيق القدرات الدفاعية، وتيسير المشاورات بين الشركاء، وتطوير آليات مشتركة للاستجابة للتهديدات. فالشراكة الفعالة لا تُقاس بحجم القدرات العسكرية وحده، بل بقدرتها على تقليل المخاطر ومنع سوء التقدير والحفاظ على تماسك المواقف الإقليمية.

البحر الأحمر ومصالح التجارة الدولية

تنبع أهمية اليمن أيضًا من موقعه قرب مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن ويشكل ممرًا مهمًا للتجارة بين آسيا وأوروبا. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن السيطرة على المواقع الساحلية والقدرة على تهديد السفن التجارية تمنح أطراف الصراع نفوذًا يتجاوز حدود اليمن.

وتتمثل المصلحة الأمريكية والخليجية المشتركة في حماية حرية الملاحة وضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال التنسيق البحري، وتبادل المعلومات، وحماية السفن المعرضة للخطر، والتعاون مع الشركاء الدوليين. غير أن حماية الممرات البحرية لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن معالجة أسباب الصراع؛ فالإجراءات الأمنية قد تحد من التهديدات مؤقتًا، لكنها لا تضمن استدامة الأمن ما لم تترافق مع مسار سياسي.

واشنطن: الردع والشراكة والدبلوماسية

تملك الولايات المتحدة أدوات متعددة لدعم الاستقرار، تشمل القدرات الدفاعية والاستخباراتية، والتعاون البحري، والشراكات العسكرية، والضغط الدبلوماسي. ويتمثل التحدي في توظيف هذه الأدوات ضمن استراتيجية تجمع بين حماية الحلفاء ومنع التصعيد.

فتعزيز قدرة السعودية على اعتراض الهجمات وحماية منشآتها يختلف استراتيجيًا عن الانخراط في حرب مفتوحة داخل اليمن. وقد تسهم العمليات العسكرية في إضعاف بعض القدرات الهجومية للحوثيين، لكنها لا تضمن وحدها إنهاء نفوذهم أو بناء سلطة يمنية موحدة. ولذلك، ينبغي ربط أي تحرك عسكري بأهداف محددة، مع تقييم نتائجه وتجنب التزامات مفتوحة لا تتضح نهايتها السياسية.

ويتيح هذا النهج لواشنطن تعزيز مصداقية شراكتها مع السعودية ودول الخليج، مع الحفاظ على مساحة للتحرك الدبلوماسي. كما يساعد على تقاسم المسؤوليات الأمنية دون تحويل التعاون الدفاعي إلى اصطفاف إقليمي يوسع دائرة المواجهة.

إيران والحوثيون ومعادلة الاحتواء

يشكل الدعم الإيراني للحوثيين عاملًا مهمًا في الحسابات الأمنية، لكن اختزال الصراع اليمني في العلاقة بين طهران والحوثيين لا يفسر جميع أبعاده. فالحركة تمتلك جذورًا محلية ومصالح سياسية وعسكرية خاصة، ما يعني أن الضغط على إيران، رغم أهميته، لا يكفي وحده لإنهاء الحرب.

ومن ثم، تحتاج المقاربة الأمريكية إلى الجمع بين ردع الهجمات التي تهدد السعودية والملاحة الدولية، والضغط على مصادر الدعم العسكري التي تسهم في استمرار التهديد، مع إبقاء قنوات الاتصال الدبلوماسي مفتوحة. فالهدف الاستراتيجي ليس توسيع المواجهة، بل منع استخدام اليمن منصةً لتهديد دول الجوار، وتقليص فرص تحول الصراع إلى مواجهة إقليمية أوسع.

من التضامن الدفاعي إلى التسوية السياسية

تكتسب الشراكات الدفاعية السعودية مع دول مثل باكستان وتركيا أهمية في توسيع التعاون الأمني وتقاسم المسؤوليات. غير أن نجاحها يتطلب وضوحًا في نطاق الالتزامات، وتنسيقًا بين الأدوار، وتوافقًا على الأهداف النهائية. فالتضامن الدفاعي لا يعني بالضرورة المشاركة في جميع العمليات الهجومية داخل اليمن.

وفي موازاة ذلك، ينبغي أن تدعم الولايات المتحدة، بالتعاون مع السعودية والأمم المتحدة والشركاء الإقليميين، مسارًا سياسيًا يربط خفض الهجمات بضمانات أمنية قابلة للتحقق، ويحمي المدنيين، ويتيح استئناف المفاوضات اليمنية. فالهدنة المستدامة تحتاج إلى التزامات متبادلة وآليات مراقبة، لا إلى توقف مؤقت يسمح باستئناف القتال لاحقًا.

الخاتمة

تؤكد أزمة اليمن والبحر الأحمر ترابط أمن السعودية واستقرار الخليج وحرية الملاحة، وتبرز أهمية شراكة أمريكية خليجية تجمع بين الردع والتنسيق الدفاعي والدبلوماسية. وتكمن الفرصة الاستراتيجية في تحويل التضامن الخليجي إلى عمل مشترك يحمي المصالح ويمنع اتساع الحرب. فالشراكة الناجحة لا تقتصر على احتواء التصعيد، بل تفتح الطريق أمام تسوية سياسية مستدامة؛ إذ إن الاستقرار الحقيقي يتحقق بردع موثوق ووحدة خليجية فاعلة ومسار سياسي جاد، يمنع تكرار الأزمات ويحول دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

د. عبيد الله البرهاني

أكاديمي وكاتب سياسي أميركي من أصل أفغاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى