آخر التحديثاتأبرز العناوينأوراق استراتيجيةرسالة المحرّر

ثلاث ضحايا مدنيين في هجوم على مطار الملك خالد: لماذا يتهرّب بعض الإعلام العربي من تسمية المعتدي؟

الاستماع للمقال صوتياً

بقلم مرح البقاعي

ثلاثة مواطنين سعوديين استشهدوا، وأصيب مواطنون ومقيمون من جنسيات مختلفة، بعدما استهدف هجومَان منشآت مطار الملك خالد الدولي وطائرة تابعة للخطوط السعودية، وفق بيان الهيئة العامة للطيران المدني السعودي الصادر في 9 أكتوبر 2026. لم تعد القضية مجرد تصعيد إقليمي أو تبادل للرسائل السياسية؛ إنها هجمات أوقعت ضحايا، واستهدفت منشآت مرتبطة بالطيران المدني، وطرحت أسئلة مباشرة عن أمن المدنيين وأمن المملكة العربية السعودية ذات السيادة.

ومع ذلك، تبرز مشكلة أخرى لا تقل أهمية عن نقل تفاصيل الهجوم: كيف تتعامل بعض وسائل الإعلام العربية مع هذه الوقائع؟ ولماذا تختار أحيانًا عناوين فضفاضة ومصطلحات ملتبسة، بدلًا من توضيح طبيعة الاعتداء والجهة المسؤولة عنه عندما تتوافر أدلة موثوقة؟

ليست القضية مجرد تصعيد

حين يُستهدف مطار مدني وطائرة ركاب، لا يكفي أن يُختزل الحدث في عبارة عامة مثل «تطورات ميدانية» أو «تصعيد في المنطقة». المطلوب هو نقل الوقائع الأساسية: أين وقع الهجوم؟ ما المنشآت المستهدفة؟ هل سقط ضحايا؟ ومن الجهة التي تثبت المصادر مسؤوليتها؟

إن تسمية الأشياء بأسمائها ليست انحيازًا سياسيًا، بل أساس العمل الصحافي. ولا يعني ذلك إدانة جهة من دون دليل، أو تبنّي رواية طرف واحد دون التحقق منها؛ بل يعني أن تكون الوقائع واضحة، وأن تُنسب المسؤوليات إلى مصادرها، وألا تتحول اللغة الإعلامية إلى ستار يحجب حقيقة الحدث.

وعندما يُقتل مدنيون أو تُستهدف منشآت مدنية، فإن من حق الجمهور أن يعرف ما حدث، لا أن يترك أمام عناوين عامة لا تشرح المسؤولية ولا تساعد على فهم خطورة الواقعة.

واشنطن تسمي الحوثيين: أين الوضوح في بعض التغطيات العربية؟

أشار بيان أميركي منشور عبر السفارة الأميركية في الرياض، بحسب ما ورد في المنشور المتداول، إلى الحوثيين وربط أعمالهم العدائية باستهداف مناطق مدنية في المملكة، مؤكدًا الشراكة الأميركية السعودية. 

وهنا يبرز السؤال الإعلامي: إذا كانت جهة رسمية أميركية، تسمي الحوثيين في بيانها، فلماذا تتجنب بعض التغطيات العربية، أو لا تعطي الأولوية الكافية، لتحديد الجهة المسؤولة عن الهجمات عندما تسمح الأدلة بذلك؟

ليس المطلوب أن تتبنى وسائل الإعلام الموقف الأميركي لمجرد أنه أميركي، ولا أن تتعامل مع كل بيان رسمي بوصفه حقيقة نهائية لا تقبل المراجعة. المطلوب هو تطبيق المعيار نفسه على الجميع: التحقق، والتوثيق، والوضوح، وتحديد المسؤولية وفق الأدلة المتاحة.

فالشراكة بين واشنطن والرياض جزء من السياق السياسي، لكنها ليست أساس الحق في حماية المدنيين. هذا الحق لا يتغير باختلاف التحالفات، ولا ينبغي أن يصبح موضع مساومة إعلامية.

السعودية دولة ذات سيادة، والمدنيون ليسوا أوراقًا في الصراع

المملكة العربية السعودية ليست تفصيلًا هامشيًا في معادلات المنطقة. إنها دولة عربية ذات ثقل سياسي واقتصادي، وشريك مهم للولايات المتحدة، وتؤثر تطورات أمنها في استقرار الخليج والاقتصاد الإقليمي والدولي.

لكن الأهم من مكانتها السياسية هو المبدأ نفسه: لا يجوز التعامل مع استهداف أراضي دولة مستقلة أو منشآتها المدنية وكأنه خبر عابر، ولا يجوز أن تتراجع معاناة الضحايا خلف الحسابات السياسية.

وفي المقابل، فإن الدفاع عن حق السعودية في الأمن والسيادة لا يعني تجاهل معاناة اليمنيين، أو تبرير الانتهاكات التي قد يرتكبها أي طرف آخر. الموقف المهني المتسق هو رفض استهداف المدنيين أينما كانوا، ومحاسبة المسؤولين وفق الأدلة، وعدم استخدام معاناة شعب لتبرير الاعتداء على شعب آخر.

عندما تصبح اللغة الملتبسة مشكلة مهنية

ليست كل صياغة عامة دليلًا على الانحياز، وليست كل وسيلة إعلام ملزمة بوضع اسم الجهة المتهمة في عنوانها الرئيسي. لكن المشكلة تظهر عندما يؤدي التكرار إلى تغييب المسؤولية، أو عندما تُعرض الوقائع بطريقة تجعل الجمهور عاجزًا عن التمييز بين من نفّذ الهجوم ومن تعرض له.

الإعلام المهني لا يحتاج إلى الصراخ كي يكون واضحًا، ولا إلى المبالغة كي يكون حاسمًا. يكفي أن يقدم الوقائع الأساسية، وأن يوضح مصادر معلوماته، وأن يميز بين الخبر المؤكد والاتهام والتحليل.

ومن حق الجمهور العربي أن يسأل مؤسساته الإعلامية: هل تطبقون المعايير نفسها عندما يتعلق الأمر بالسعودية، كما تطبقونها عند تغطية الاعتداءات على دول أخرى؟ وهل يتقدم التحقق من الوقائع على الاعتبارات السياسية، أم تتغير اللغة تبعًا لهوية الدولة المستهدفة؟

هذه ليست أسئلة عدائية، بل أسئلة مشروعة عن مصداقية الإعلام ومسؤوليته تجاه جمهوره.

فصل المقال: لا تجعلوا الحقيقة رهينة الحسابات السياسية

إن استشهاد ثلاثة مواطنين سعوديين وإصابة آخرين في الهجومين اللذين أعلنت عنهما الهيئة العامة للطيران المدني يستدعي تغطية واضحة ومسؤولة، تضع الضحايا والوقائع في صدارة المشهد، وتحدد الجهة المسؤولة حيثما تثبتها الأدلة.

سمّوا الهجوم باسمه، وحددوا الجهة المسؤولة عنه عندما تثبت مسؤوليتها، ولا تختبئوا خلف مصطلحات عامة تحجب ما يحتاج الجمهور إلى معرفته.

فالتوازن الإعلامي لا يعني مساواة جميع الأطراف بصرف النظر عن الأدلة، والاستقلال المهني لا يعني تجنب تسمية المسؤولين، والاختلاف السياسي لا يبرر طمس الوقائع.

المملكة العربية السعودية تستحق تغطية تستند إلى الحقائق، والمدنيون يستحقون ألا تتحول معاناتهم إلى تفصيل ثانوي، والجمهور العربي يستحق إعلامًا يضع الحقيقة قبل الحسابات.

في زمن تتصارع فيه الروايات، لا تُقاس مهنية الإعلام بحدة صوته، بل بقدرته على قول ما تثبته الوقائع، وتسمية المسؤولية حين تتضح، ورفض ازدواجية المعايير أينما ظهرت.

البيت الأبيض بالعربي – WHIA.US

مرح البقاعي

مستشارة في السياسات الدولية، صحافية معتمدة في البيت الأبيض، ورئيسة تحرير منصة .’البيت الأبيض بالعربية’ في واشنطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى