آخر التحديثاتأبرز العناوينمقال الرأي

يناير 2026: سوريا تتوحّد.. ديسمبر 2024: سوريا تتحرّر

الاستماع للمقال صوتياً

مونتريال – مقال الرأي

م, بسام أبوطوق

كما فاجأت عملية ردع العدوان الشعبَ السوري بعد سنواتٍ من اليأس والقنوط، حيث اندحرت قوات النظام الأسدي وتبعثرت خلال أيام قليلة، وهرب الدكتاتور الصغير خارج البلاد، وكان العنوان الأبرز: تحرير حلب، لتُفتح بعدها الآفاق أمام مقاتلي التحرير وصولًا إلى دمشق.

وبالقدر نفسه، فاجأتنا النسخة الثانية من ردع العدوان؛ إذ كان الهدف المعلن تحرير حيي الشيخ مقصود والأشرفية، لكن سرعان ما اتسع المشهد، فتحرر غرب الفرات ثم شرقه، وصولًا إلى مشارف الحسكة خلال أيام، بل ساعات معدودة، لتتوحّد سوريا من جديد.

سياسيًا، بدأ الهجوم بالمقابلة التلفزيونية مع الرئيس أحمد الشرع، والتي رفضت قناة شمس الفضائية الكردية بثّها بعد تسجيلها، قبل أن تُسرَّب إلى قنوات أخرى. تحدث الشرع فيها بصراحة عن الثروات المهدورة التي حُرم منها الشعب السوري، ولا سيما في منطقة الجزيرة السورية الخاضعة لسيطرة قسد، والتي تمثل ركيزة أساسية لإعادة الإعمار. كما سلّط الضوء على الأصول الأجنبية لسلطة الأمر الواقع القسدية.

وأتبع ذلك بالمرسوم الرئاسي رقم 13، الذي نصّ على جملة من الحقوق الثقافية واللغوية والمدنية للمواطنين السوريين الأكراد، مع إلغاء جميع القوانين والتدابير الاستثنائية الناتجة عن إحصاء عام 1962، والتي أرستها سلطة البعث عبر نفوذها في حكومة الانفصال، ثم ثبّتها بعد انفرادها بالحكم عام 1963. ومع تلك السياسات بدأت مظلومية المكوّن الكردي، من حرمانٍ من تعليم اللغة والاحتفال بالأعياد وممارسة التقاليد، وصولًا إلى عقود من التهميش والاضطهاد.

أسقط هذا المرسوم واحدةً من أهم ركائز البنيان السلطوي الذي شيّدته حكومات البعث المتعاقبة، وسحب من يد قسد أهم أوراقها المطلبية.

وقبل أن تبدأ سلطات الأمر الواقع، من قسد والإدارة التابعة لها، بالإنكار والدخول في متاهات التفاصيل، جاء الاجتياح العسكري مترافقًا مع انتفاضة العشائر العربية المقيمة في المنطقة، لتكون السياسة مقدّمة للحرب وخاتمةً لها.

ماطل مظلوم عبدي وقيادته في تنفيذ اتفاق 10 آذار 2025، ليجد نفسه بعد عشرة أشهر مضطرًا لتوقيع اتفاقٍ جديدٍ معدّل، بعد أن تغيّرت الوقائع على الأرض، وخسر النفوذ والمساحة، واختلّت موازين القوى وتبدّلت علاقات الحلفاء. فجاء اتفاق 18 يناير ليحوّل قسد من سلطة أمر واقع تسيطر على ثلث مساحة سوريا، بما فيها خزان النفط والغاز والثروة الزراعية الاستراتيجية من قمح وقطن، إلى شريكٍ محلي محدود، تحت السيادة الكاملة للدولة السورية وعاصمتها دمشق.

ومن السيطرة على ثلث البلاد، انتقلت قسد إلى تمثيل إداري محلي في محافظة الحسكة، مع قدرٍ محدود من الخصوصية الأمنية في عين العرب/كوباني، فيما انتقلت كامل السلطة في الرقة ودير الزور وغرب الفرات، ومعها الثروات الوطنية من نفط وغاز ومعابر حدودية وأراضٍ زراعية شاسعة وموارد مائية وطاقة، إلى إدارة الدولة المركزية.

وبينما كان مقترح آذار ينص على دمج قسد ككتلة واحدة مع الحفاظ على هيكليتها القيادية واستقلالها الميداني، نصّ اتفاق يناير على الدمج الفردي والانتقائي للعناصر والضباط ضمن وزارتي الدفاع والداخلية. وبعد وعودٍ شفهية بإبعاد العناصر الأجنبية، المقدّرة بين 3000 و4000 مقاتل من أصول تركية أو إيرانية دون آلية واضحة، جاء اتفاق يناير التزامًا صريحًا وموثقًا بإخراج هذه العناصر خارج الحدود فورًا.

انخفض سقف المطالب والشروط بشكلٍ حاد، وارتفع بندٌ واحد فقط: الاعتراف الكامل باللغة والحقوق الثقافية، والمعالجة الفورية لمشكلة مكتومي القيد. وهو مطلبٌ وطني يجمع عليه السوريون، ويجب أن يتحقق بإرادة سورية تعبّر عن نضج حضاري ومدني.

وأخيرًا، لم يعد هناك شركاء متعددون مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب عمومًا وداعش خصوصًا، بل شريك واحد هو الدولة السورية.

في مؤتمره الصحفي، بدا الرئيس الشرع مرتاحًا وواثقًا، وهو يتحدث عن زوال آخر عقبة أمام إدخال محافظات دير الزور والرقة والحسكة في العملية الانتخابية، بعد تعثر ذلك في الانتخابات السابقة.

في أيام العهد البائد، ومع الوهن واليأس اللذين أصابا كثيرًا من المثقفين السوريين أمام رسوخ النظام الأسدي وعمق الخراب، ظهرت نغمة الحديث عن «شرعية الدولة» والالتفاف حولها في مواجهة ما سُمّي بالإرهاب الدولي المتعدد المصادر؛ وهو كلامُ حقٍّ أريدَ به باطل، ومصدره الإحباط. أما اليوم، فإن الحديث عن شرعية الدولة والاستفادة من إنجازاتها هو كلامُ حقٍّ أريدَ به حق.

لقد أنجز الشرع وسلطته، في ملفات كثيرة، ما يُفترض بأي سلطة وطنية أن تنجزه: تحرير الوطن من نظام استبدادي فاسد، توحيد البلاد، بسط سلطة الدولة على مناطق كانت تسيطر عليها قوى أمر واقع بلا شرعية وطنية أو ثورية، استعادة العلاقات الخارجية، إعادة دور سوريا كدولة مؤسسة للأمم المتحدة، استرجاع كرامة السوريين في الداخل والخارج، وتنظيم الحياة الاقتصادية والمالية وجذب الاستثمارات الأجنبية. ومع ذلك، يبقى الكثير مما لم يُنجز بعد، وربما لم يُطرح أصلًا على جدول الأعمال.

ما جرى في الأيام الماضية قد يفوق، في معناه ومبناه، تحرير سوريا عام 2024؛ فتوحيد البلاد واستعادة الأرض والثروات المهدورة يتجاوزان بكثير ما سرقه الأسد الهارب وصعاليكه، دون أن يعني ذلك التخلي عن الحق الوطني في استعادة تلك الثروات المنهوبة.

كلما تقلصت المخاطر الداخلية والخارجية، اتسعت مساحة الحريات والحقوق؛ وهي معادلة معروفة. والنخب المثقفة مدعوة اليوم للمشاركة في ورشة إعادة بناء هذا البلد المنهك اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا. فالمسار المجتمعي لا يقتصر على الحكومة وحدها، بل يشمل المجتمع المدني، والجمعيات الأهلية، والمؤسسات الدينية والثقافية.

إنها دعوة للعمل السياسي والمدني، موالاةً ومعارضة، بروحٍ إيجابية: تبني ولا تخرب، تنتقد ولا تهشم، تقترح ولا تسفّه، ليتمتع الشعب السوري بحريته ووحدته بشغفٍ وتألق.

بسام أبو طوق

مهندس وكاتب سوري - كندي مقيم في مونتريال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى