
أن تكون بطلاً خارقاً
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
القاهرة – ثقافات
بقلم أحمد المسيري
في طفولتي تمنيت أن أكون سوبرمان.
ليس فقط لأنني أحب الطيران، بل لرغبتي في إنقاذ العالم، إنهاء الحروب، وتحقيق السلام، كان إعتراضي الوحيد على شخصية سوبر مان هو ارتداؤه الأندر فوق البنطلون، وكنت أتسائل:
هل هذا شرط أساسي للبطولة؟
أدركت الحقيقة المؤلمة مبكراً، فعند السابعة من عمري تيقنت استحالة طيران البشر أوتحولهم إلى أبطال خارقين، بحثت عن بديل بشري في قصص جرندايز، و Marvel و Dc ، قبل أن تتحول إلى أعمال سينمائية، وكانت والدتي تشتريها لي من شارع النبي دانيال بالإسكندرية، ورغم أن شخصيتي المفضلة كانت كابتن أمريكا، لكني وجدت ضالتي في باتمان، رجل بلا قوى خارقة، يعتمد على قوته البشرية، والإنضباط، والإصرار على التصدي للشر، كان أقرب للواقع في مخيلتي كما كنت أظنه في ذلك الوقت.
بداية الفوضى
كان أخي الأكبر الذي يكبرني بعشر سنوات، بوابتي الأولى إلى الشارع، وإلى فكرة أن المشاكسة شكل من أشكال القوة.
علمني بعض الممارسات السلبية، مثل رن الجرس على الجيران والهروب، تفريغ إطارات السيارات، إلقاء أكياس المياه من شرفة منزلنا على المارة، التنمر قبل أن يصبح أسمه تنمر، والأهم الشجار مع أقراني أو حتى من يكبرني عمراً، أتذكر أنني تعرضت للضرب في أحد الشجارات، وكنت حزيناً فقال لي: ” مش هتعرف تضرب كويس غير لما تنضرب “
تعلمت وقتها أن الألم جزء من التعلم.
ورغم ذلك لم أرى أخي شريراً وبالتأكيد كان بعيداً تمام البعد على أن يكون ملاكاً، كان فقط يسبقني بخطوات في حياة لم أفهما بعد، ونقل إلي جزء من طريقته القاسية في النظر إلى العالم، كأن الشك هو القاعدة، والعداء هو الوضع الافتراضي، تلك التجارب المبكرة زرعت في داخلي وهماً فوضوياً: ” أن إثبات الوجود يمر أحياناً عبر إزعاج الأخرين”.
وهم القوة الجسدية
ذهبت لممارسة رياضة الكاراتيه لأنها كانت الرياضة المتاحة لي في مرحلة الطفولة، ووصلت إلى الحزام البني في سن مبكرة، كما حصلت على بعض البطولات قبل إنقطاعي عن هذه الرياضة لعدم إقتناعي بجدواها في قتال الشوارع، أستمررت في دخول المعارك خلال الإعدادي، والثانوي، وحتى بداية مرحلة الجامعة، أنتصرت في بعضها وتعرضت للهزيمة في بعضها الآخر، لكنني لاحظت أن أغلب هذه المعارك لم تكن من أجلي، بل من أجل أصدقائي، كنت أتجنب الصدام حين يخصني، وأندفع إليه حين يخص غيري، ظننت أن هذا واجب، وأن البطولة تًمارس هكذا.
في المرحلة الثانوية أطلق أصدقائي علي لقب “هركليز” لا لقوة جسدي، بل لتماهيي مع شخصية البطل الأسطوري “هركليز”، وأكتشفت أن إعجابي الحقيقي به ليس بسبب قوته الجسدية، بل لتمرده على الآلهة الإغريقية التي لا تقوم بواجبها تجاه البشر، وتتعامل معهم كأدوات للاستخدام والتسلية.
كان ذلك بداية إدراكي أنني أبحث عن بطولة عادلة في عالم غير عادل.
سقوط الجسد
في نهاية العشرينات، في المرحلة التي ظننت فيها أنني غادرت الفوضى نهائياً، وأنا مندمج في عالم الكبار والعمل، والمسؤولية، أبحث عن النضج الحقيقي والاستقرار، وأتعلم كيف أكون شخصاً طبيعياً في عالم كنت أظنه طبيعياً، تعرضت لحادث مفاجيء، سيارة متهورة صعدت على الرصيف ودهستني، وعندما حاول السائق الهروب نزل على ساقي مرة آخرى، كانت النتيجة، كسور متعددة، أربعة عمليات، عكازات، وألم مزمن سيرافقني بقية حياتي، وبعد وقت طويل عدت للمشي وكأنها معجزة، لكنني لم أعد كما كنت.
لم يكن الأمر مجرد فقدان للقدرة الجسدية، بل كان صداماً مباشراً مع شر حقيقي، شخص غير سوي، يدهس البشر ويتركهم بين الحياة والموت، لا يهتم بمصيرهم، ومستعد لفعل أي شيء لمصلحته الخاصة، بينما ينعم هو بحياته دون أي شعور بالذنب، حينها أكتشفت وهم القوة البشرية الزائفة وحقيقة هشاشة الجسد، وأن أي وهم بالسيطرة يمكن أن ينهار أمام لحظة طيش واحدة من شخص بلا مسؤولية أخلاقية، أو مرض عضوي مفاجيء.
لاحقاً، ومع تقدم العمر وتفاقم مشكلات العظام، أصبت ببعض الأمراض المزمنة التي وسعت مساحة الألم، وفرضت إيقاعاً جديداً للحياة لا مجال فيها للإنكار أو الاستعراض.
إعادة تعريف البطل
في رحلتي العلاجية وترددي على المستشفيات ومراكز التحاليل أكتشفت نوعاً آخر من الأبطال الخارقين، أطفال مرضى يبتسمون رغم الألم، مرضي فشل كلوي وسرطان يقاومون يوماً بعد يوم، وبشراً عاديين يحملون أثقالاً لا تُرى.
خارج غرف العلاج كانت البطولة مستمرة وتتجسد في شكل آخر، أناس يخرجون كل صباح فقط ليؤمنوا لقمة العيش في حياة تزداد صعوبة، دون وعود، أو حماية، أو يقين بأن الغد سيكون أفضل، حتى الطفل الذي يذهب إلى مدرسته صباحاً حاملاً حقيبة أثقل من عمره، ثم يكبر ليصطدم بعالم غير عادل، هو بطل خارق، كما أدركت أن بعض الأبطال الخارقين من النساء والدتي، وأختي، ونساء كثيرات يحملن العبء في صمت، فلم تعد البطولة في رفع السيارات، أو الطيران، أو القفز فوق البنايات، بل في الاستمرار والصمود، والحفاظ على إنسانيتنا رغم الألم والمعاناة.
“أدركت أن هذا السعي نفسه، في عالم فوضوي، حين يتم دون سحق الأخرين أو الاحتيال عليهم وأستغلالهم، هو شكل من أشكال البطولة الصامتة”.
بطل بلا أندر فوق البنطلون أو قناع
لم أعد أؤمن بالبطل الذي يهزم الشر، في عالم عبثي غير عادل ومُرهق، لا يكافيء الطيبة ولا يُحاسب على التهور، فالشر أكبر وأذكى من أن يُسقطه شخص واحد، لكننى مازلت أؤمن بالحد الأدنى من البطولة، ألا نبرر الشر، وألا نُشارك فيه، وألا نصمت حين نستطيع أن نرفضه، أن تكون شاهداً صادقاً لا يهزم الشر، لكنه لا يقبله، قد يبدو هذا دوراً متواضعاً، لكن في عالم كهذا حد لا يحق لنا النزول دونه.
اليوم لا أقول أنني بطل خارق، ولا أزعم أنني أستطيع إصلاح العالم أو أمتلاك الحلول الكبرى، لكننى أعرف شيئاً واحداً “أن البطولة الحقيقية تُبنى على المبدأ، وعلى السعي لأن تصبح إنساناً في عالم يدفعك كل يوم لأن تكون عكس ذلك، ألا تسمح للشر أن يستخدمك، ولا أن يتحدث بأسمك، ولا أن يجد فيك مبرراً إضافياً لوجوده واستمراره”
قد لا تكون هذه بطولة تصلح لفيلم سينمائي، أو لقناع وأندر فوق البنطلون…
لكنها على الأقل بطولة حقيقية بما يكفي لتُعاش.