
إيران عند الحافة: دور واشنطن في مآلات النظام الإقليمي
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
كاليفورنيا – مقال الرأي
الدكتور عبيد الله برهاني
تمرّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مطلع عام 2026 بلحظة حرجة تعكس تراكم أزمات بنيوية ممتدة، وتكشف عن تصدع متزايد في العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالاحتجاجات التي اندلعت أواخر ديسمبر 2025 واتسعت خلال الأسابيع الأولى من يناير لا يمكن قراءتها بوصفها موجة مطلبية عابرة، بل باعتبارها تعبيراً عن أزمة شرعية عميقة تتقاطع فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مع بيئة إقليمية ودولية غير مواتية.
الدلالة الرمزية لانطلاق الاحتجاجات من البازار في طهران لا تقل أهمية عن بعدها الاقتصادي. فالبازار شكّل تاريخياً أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي للنظام، وخروجه عن الصمت احتجاجاً على انهيار العملة وارتفاع التضخم يعكس انتقال الغضب من الهوامش إلى قلب البنية التقليدية الداعمة للدولة. ومع امتداد الحراك إلى الجامعات والعمال وشرائح حضرية أوسع، بات المشهد أقرب إلى حالة سخط متعددة الطبقات، وإن ظل يفتقر إلى قيادة موحدة أو مشروع سياسي بديل.
في مواجهة هذا الواقع، عاد النظام إلى أدواته التقليدية في إدارة الأزمات، وفي مقدمتها القبضة الأمنية. القيود على الإنترنت، والاعتقالات الواسعة، وسقوط ضحايا في بعض المناطق، تعكس نمطاً تكرّر في محطات سابقة. غير أن الإشكالية اليوم لا تكمن في القمع بحد ذاته، بل في كلفته الاستراتيجية المتزايدة. فالتاريخ الإيراني حافل بقمع الاحتجاجات، لكن البيئة الدولية الراهنة أقل استعداداً للتعامل مع هذا السلوك بوصفه شأناً داخلياً محضاً، وأكثر ميلاً لتحويله إلى ملف سياسي وقانوني عابر للحدود.
الخطاب الرسمي يعكس هذا المأزق. ففي حين يحاول الرئيس مسعود بزشكيان تبنّي لغة احتوائية تدعو إلى الحوار، تصرّ المؤسسة الأمنية على مقاربة صارمة تعتبر ما يجري تهديداً مباشراً للأمن القومي. هذا التباين لا يعني انقساماً بنيوياً داخل النظام، لكنه يكشف عن حدود القدرة على تقديم حلول سياسية واقتصادية في ظل العقوبات والاختلالات البنيوية، ما يجعل القمع خياراً تكتيكياً لا بديلاً استراتيجياً.
أما سيناريو التغيير الجذري للنظام، فيظل محاطاً بعدم اليقين. فغياب العصيان المدني الشامل، وعدم حدوث انشقاقات مؤثرة داخل المؤسستين العسكرية والأمنية، يجعلان الانهيار السريع غير مرجح في المدى القصير. الأرجح هو دخول البلاد في مرحلة استنزاف طويلة، تتكرر فيها دورات الغليان والاحتواء، مع تآكل تدريجي لمخزون الشرعية دون حسم نهائي
غير أن ما يميز اللحظة الراهنة هو أن الأزمة الإيرانية لم تعد محصورة داخل حدودها. البيئة الإقليمية المحيطة بطهران باتت أقل تعاطفاً وأكثر براغماتية. دول الجوار تراقب المشهد من زاوية المصلحة، وتعيد تموضعها على أساس افتراض أن إيران قد تدخل مرحلة ضعف أو انكفاء، دون أن تبادر إلى تدخل مباشر أو تحمل كلفة الانخراط العلني.
في هذا السياق، تبرز باكستان بوصفها حالة خاصة. فإسلام آباد، التي حافظت تاريخياً على توازن حذر في علاقتها مع طهران، تبدو اليوم أقل استعداداً للدفاع عن الوضع القائم. الاعتبارات الأمنية على الحدود ، والتنافس غير المعلن في أفغانستان، والحاجة إلى تحسين العلاقات مع واشنطن ودول الخليج، كلها عوامل تدفعها إلى الاصطفاف الضمني في معسكر القوى المتوجسة من الدور الإيراني. هذا الموقف، وإن لم يتخذ طابعاً عدائياً صريحاً، يعني أن أي تحرك دولي ضد طهران لن يواجه اعتراضاً باكستانياً فعلياً.
أما بقية الجوار الإقليمي، من الخليج إلى تركيا وآسيا الوسطى، فيتبع نهج “الانتظار النشط”. هذه الأطراف لا ترغب في انهيار فوضوي لإيران، لكنها في الوقت ذاته لا ترى في استمرار الوضع الراهن ضمانة للاستقرار، ما يفتح المجال أمام تفاهمات صامتة ومقايضات غير معلنة توازن بين منع الفوضى وإعادة ضبط النفو
. في قلب هذه المعادلة، يبرز دور واشنطن بوصفه عاملاً محدِّداً في مآلات الأزمة. إدارة الرئيس دونالد ترامب في ولايتها الجديدة تتبنى مقاربة أكثر تشدداً، تربط بين القمع الداخلي في إيران وسياسة “الضغط الأقصى” بصيغتها الموسعة. غير أن المقاربة الأميركية لا تبدو متجهة نحو سيناريو غزو عسكري أو إنزال قوات، بل نحو أدوات أكثر دقة وأقل كلفة: عقوبات ذكية، ضغط دبلوماسي مكثف، وترك الباب مفتوحاً أمام عمليات نوعية محدودة تستهدف بنى حساسة، تحت عناوين حماية المدنيين أو منع الانزلاق إلى مجازر واسعة. هذا النمط من التدخل لا يهدف بالضرورة إلى إسقاط النظام مباشرة، بقدر ما يسعى إلى إضعاف قبضته وخلق بيئة داخلية تسمح بتحولات يقودها الإيرانيون أنفسهم.
الأهم أن أي تحول جوهري في إيران لن يبقى محصوراً داخل حدودها. فإيران تمثل عقدة مركزية في شبكة توازنات تمتد من الخليج إلى جنوب آسيا. وأفغانستان، على وجه الخصوص، ستكون من أكثر الساحات تأثراً. تراجع الدور الإيراني أو انكفاؤه الداخلي سيعيد رسم معادلات النفوذ داخل أفغانستان، سواء في العلاقة مع حركة طالبان، أو في ملفات الأقليات، والمياه، واللاجئين، والاقتصاد غير الرسمي. كما أن هذا الفراغ النسبي قد يفتح المجال أمام تنافس أكثر حدّة بين باكستان وتركيا وفاعلين آخرين، ما يجعل أفغانستان ساحة انعكاس مباشر للتحولات الإيرانية.
في المحصلة، تقف إيران اليوم عند حافة تحوّل لا يمكن اختزاله في سؤال بقاء النظام أو سقوطه. نحن أمام لحظة مفصلية تتقاطع فيها ضغوط الداخل مع بيئة إقليمية معاكسة، ومع دور أميركي يسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات بأدوات غير تقليدية. قد ينجح القمع في شراء الوقت، لكنه في السياق الدولي الراهن لم يعد خياراً منخفض الكلفة. وبين دولة تملك أدوات القوة وتفتقر إلى حلول بنيوية، ومجتمع غاضب يمتلك دوافع التغيير ويعاني من غياب التنظيم، يبقى المستقبل الإيراني مفتوحاً على سيناريو الاستنزاف الطويل، بما يحمله من تداعيات تتجاوز إيران لتطال الإقليم برمته