زيارة زلماي خليلزاد إلى كابول: رسائل المرحلة المقبلة
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
كاليفورنيا – مقال الرأي
الدكتور عبيد الله برهاني
لا يمكن قراءة زيارة زلماي خليلزاد، المبعوث الأمريكي السابق لشؤون السلام في أفغانستان، إلى كابول على أنها مجرد تحرّك شخصي أو حدث بروتوكولي عابر. فالزيارة، رغم توصيفها شكليًا بأنها غير رسمية، تحمل من حيث المضمون طابعًا شبه رسمي واضحًا، وتنسجم مع تقاليد راسخة في سياسات الدول الكبرى، القائمة على استخدام القنوات الخلفية لإدارة الملفات المعقدة، بدل الانخراط الدبلوماسي المباشر أو القطيعة الكاملة.
في المقاربة الأمريكية، لا تُدار القضايا الشائكة – وعلى رأسها الملف الأفغاني – عبر المسارات الرسمية وحدها، بل تُستفاد من شخصيات ذات خبرة سياسية عميقة، وفهم دقيق للسياق المحلي والإقليمي، وشبكات علاقات تمكّنها من التحرك في المساحات الرمادية بين الرسمي وغير الرسمي. ويُعدّ زلماي خليلزاد نموذجًا بارزًا لهذه الشخصيات، لما يتمتع به من معرفة معمّقة بالواقع الأفغاني، وقدرة فائقة على نقل الرسائل وقراءة الاتجاهات، دون أن يترتّب على واشنطن أي التزام سياسي مباشر.
وعليه، فإن توصيف الزيارة بأنها «غير رسمية» لا ينفي كونها أداة سياسية وظيفية تُستخدم للتقييم، وجسّ النبض، ونقل الرسائل، وقياس مدى التزام سلطات الأمر الواقع في كابول بخطوط السلوك المقبولة دوليًا، في إطار سياسة تقوم على إدارة المخاطر لا حسم الخيارات النهائية.
الزيارة تعكس استمرار النهج الأمريكي القائم على تجنّب القطيعة التامة مع كابول، واستبدالها بتواصل غير مباشر ومنضبط. بعد الانسحاب، اعتمدت واشنطن وسطاء إقليميين، خصوصًا قطر ذات راسخ نفوذ والسعودية لاحقا، للحفاظ على الحد الأدنى من التواصل، لكن حضور خليلزاد شخصيًا يشير إلى رغبة أمريكية في تقييم مباشر للملف الأفغاني في ظل متغيرات ميدانية وإقليمية.
وفي هذا السياق، برزت التطورات الأمنية الأخيرة عاملًا أساسيًا في إعادة ضبط هذا التقييم. فقد أظهرت المعطيات والتحقيقات، استنادًا إلى الشواهد المتاحة، أن أفغانستان لم تكن الجهة المنفِّذة، ولا المنطلِقة منها، العملية التي استهدفت عمّالًا صينيين في طاجيكستان، وهو ما بدّد جزءًا مهمًا من الشكوك الإقليمية والدولية بشأن الدور الأمني لكابول. وتكمن أهمية هذا المعطى في كونه يعكس التزامًا عمليًا، لا خطابيًا، ببنود اتفاق الدوحة، ولا سيما ما يتصل بعدم السماح باستخدام الأراضي الأفغانية لتهديد أمن الدول الأخرى أو الإضرار بمصالحها.
أسهم هذا الالتزام الأمني في تفسير لقاء خليلزاد بوزير خارجية سلطة الأمر الواقع، أمير خان متقي، بوصفه لقاءً ذا طابع تقييمي عام، يركّز على مستوى الانضباط الأمني وموقع أفغانستان ضمن معادلات النفوذ الإقليمي السياسي والاقتصادي، من دون أن يُفهم باعتباره تمهيدًا سياسيًا للاعتراف. وفي أعقاب الزيارة، صرّح ذاكر جلالي، نائب رئيس دائرة الشؤون السياسية في وزارة الخارجية الأفغانية، بأن «الصفحة الماضية قد طُويت» مع الولايات المتحدة، وأن الوقت قد حان لتطبيع العلاقات، مشيدًا بما وصفه بالأدوار الإيجابية والبنّاءة التي اضطلعت بها واشنطن، سواء في تشييد مطار قندهار أو بناء سدّ هلمند ومشروعات حيوية أخرى. ويعكس هذا الخطاب إدراكًا متزايدًا بأن استقرار أفغانستان يظل مصلحة إقليمية ودولية لا يمكن تجاوزها، وأن البلاد تشكّل نقطة محورية في حسابات القوى الإقليمية والدولية على حدٍّ سواء.
ولا تقتصر رسائل الزيارة على الداخل الأفغاني فحسب، بل تمتد إلى الإقليم بأسره. فهي رسالة إلى دول الجوار، ودول آسيا الوسطى، والصين، وروسيا، ودول الخليج، مفادها أن الولايات المتحدة، وإن بدت غائبة ظاهريًا عن المشهد الأفغاني، لا تزال حاضرة استراتيجيًا، تراقب وتقيّم وتعيد التموضع وفق مصالحها، وتسعى إلى منع تشكّل فراغ جيوسياسي طويل الأمد قد تستثمره قوى دولية منافسة.
وتتضاعف أهمية هذه الزيارة بالنظر إلى توقيتها، إذ جاءت قبيل عام جديد، وفي ظل تسارع المتغيرات الإقليمية والدولية، وتصاعد حدّة التنافس بين القوى الكبرى. كما أن كونها الزيارة الرابعة خلال فترة زمنية قصيرة يشير إلى أن الملف الأفغاني لا يزال قيد المراجعة الاستراتيجية، وأن أنماط التعاطي الدولي معه لم تستقر بعد على صيغة نهائية.
السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة في أفغانستان:
1. الانخراط التدريجي: تقوم الولايات المتحدة وبعض الأطراف الدولية بتوسيع القنوات الخلفية، وتقديم مساعدات اقتصادية وإنسانية محدودة، وربما تخفيف انتقائي لبعض القيود، مقابل استمرار الالتزام الأمني وعدم تصدير التهديدات إلى الإقليم. هذا السيناريو لا يقود إلى اعتراف رسمي، لكنه يهدف إلى تثبيت الاستقرار النسبي ومنع الانفجار الأمني أو الاقتصادي.
2. تثبيت الوضع القائم: الأرجح في المدى المنظور، ويقوم على إدارة الأزمة بدل حلّها، مع استمرار التواصل غير المباشر وإبقاء أفغانستان ضمن دائرة المراقبة الاستراتيجية، واستخدام أدوات الضغط السياسية والاقتصادية بصورة انتقائية، بما يتيح لواشنطن الحفاظ على هامش مناورة دون تحمّل كلفة الاعتراف أو الانخراط الكامل.
3. إعادة توظيف الملف الأفغاني دوليًا: في سياق تصاعد التنافس مع الصين وروسيا، قد تُستغل أفغانستان كورقة ضغط جيوسياسية، سواء عبر موقعها الاستراتيجي أو التأثير في مسارات التعاون الإقليمي، مما يعيد البلاد إلى صدارة معادلات التوازن الدولي.
4. الانفتاح المشروط والمحدود: وهو السيناريو الأقل احتمالًا لكنه ممكن، وينبني على تحوّلات إقليمية أو توافقات دولية غير متوقعة، مع خطوات سياسية واقتصادية تدريجية تتجاوز الالتزامات الأمنية، من دون ضمان اعتراف دولي كامل
خاتمة
في المحصّلة، لا تمثّل زيارة زلماي خليلزاد إلى كابول تحوّلًا جذريًا في الموقف الأمريكي، بل تجسّد إدارة النفوذ الأمريكي بذكاء لا انسحابًا. إنها رسالة مزدوجة: إلى سلطات كابول لتحديد سقف السلوك المقبول دوليًا، وإلى الإقليم لتأكيد أن واشنطن لا تزال تتحكّم بالملف الأفغاني بعقلانية، عبر قنوات خلفية، محافظة على سياسة التوازن بين عدم الاعتراف ومنع الفراغ الاستراتيجي، في مرحلة تتسم بسيولة جيوسياسية وتحولات سريعة في موازين القوة الدولية