
أفغانستان: تقارير أممية مقابل توازنات واشنطن
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
كاليفورنيا – أوراق استراتيجية
الدكتور عبيد الله برهاني
تقارير الأمم المتحدة حول أفغانستان، رغم كونها المرجع الأكثر تأثيراً منذ عام 2001، تكشف في إصدارات 2025 عن فجوات منهجية، إذ تُعالج الأزمة الأفغانية بمعزل عن سياقها الإقليمي، ما يضع حيادها ومصداقيتها أمام اختبار حقيقي، لأن اختزال الأزمات العابرة للحدود ضمن جغرافيا واحدة يُخلّ بتوازن التحليل وموضوعيته.
وقد عززت هذه الشكوك انتقاداتُ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أشار إلى احتمال تسيس بعض التقارير الأممية، بما يبرز الحاجة إلى مقاربة تحليلية أكثر شمولية ومنهجية تعكس تعقيد الواقع الأفغاني وتتجاوز القراءات الانتقائية السائدة.
أولاً: الإطار المنهجي – إشكالية الرصد الموضعي
تعتمد تقارير الأمم المتحدة، خصوصاً بعثة UNAMA، على منهجية «الرصد الموضعي» التي تركز على الجغرافيا الأفغانية، ما يسهم في توثيق الانتهاكات والتحولات الداخلية، لكنه يغفل البُعد العابر للحدود الضروري لفهم التهديدات الأمنية وشبكات التطرف والاقتصادات غير المشروعة.
حصر التهديدات ضمن الحدود الأفغانية يؤدي إلى تقييم استراتيجي ناقص، إذ يغفل شبكات التمويل والحاضنات اللوجستية ومسارات العبور والتجنيد في دول الجوار. وما يزيد الأمر تعقيداً هو تراجع الاعتراف في التقارير الحالية بالطابع العابر للحدود للإرهاب مقارنة بتقارير سابقة، ما يثير تساؤلات حول اتساق المنهج ووضوح المعايير.
ويشير عدد متزايد من المراقبين المتخصصين في شؤون جنوب آسيا وأفغانستان إلى أن الإشكالية لا تكمن فقط في مصداقية الوقائع الأممية، بل في توقيت توظيفها سياسياً. فالتقاطع بين صدور التقارير والتحركات الدبلوماسية تجاه كابل يبرز دورها في خلق ضغط سياسي، مما يجعل فهمها ضمن السياق الجيوسياسي أمراً حيوياً، إذ إن التناقضات وتسيسها تهدد مصداقية المنظمة الدولية.
ثانياً: الحسابات الجيوسياسية وتسيس المعيار الحقوقي
تكشف قراءة تقارير الأمم المتحدة لعام 2025 عن ازدواجية واضحة في توظيف ملف حقوق الإنسان، وخصوصاً قضايا المرأة، كأداة ضغط سياسي. فبينما تُستخدم أوضاع المرأة لتبرير استمرار العقوبات الدولية وإبقاء أفغانستان في «العزلة المشروطة»، يغيب التدقيق الأممي بشأن ممارسات بعض الدول الإقليمية بحق اللاجئين، مثل الترحيلات القسرية من باكستان وإيران، ما يحوّل الخطاب الحقوقي من معيار كوني إلى أداة انتقائية تحكمها حسابات النفوذ والتحالفات.
ثالثاً: معضلة المصادر وفخ السرديات الموجهة
تكمن إحدى كبريات الإشكاليات في اعتماد التقارير الأممية على مصادر بيانات قد تكون مسيسة، إذ غالباً ما يتم الاستناد إلى تقارير استخباراتية إقليمية أو منصات بحثية تمولها قوى لها مصلحة في تصوير أفغانستان كمصدر وحيد لعدم الاستقرار. هذا الاعتماد يضعف استقلالية المنظمة الدولية المعلوماتية، ويجعل استنتاجاتها صدى لمصالح القوى الكبرى وتوازنات واشنطن، بدلاً من أن تكون مرآة للواقع الميداني المحايد.
رابعاً: تناقضات السردية الأمنية – الإرهاب العابر للحدود
الاقتصار على الرصد الأمني داخل الحدود الأفغانية وحدها يقدم رؤية ناقصة للواقع، إذ تشير المعطيات الميدانية والتقارير الأممية السابقة إلى أن التهديدات المتطرفة تتجاوز الحدود الوطنية، مع نشاط واضح لتنظيمات مثل «طالبان باكستان» و«داعش – ولاية خراسان» بين أفغانستان وباكستان. وهذا يؤكد أن أفغانستان ليست مركز الأزمة الوحيد، بل ربما إحدى ساحاتها ضمن سياق إقليمي أوسع، يستدعي إدراكاً متكاملاً للتحديات الأمنية العابرة للحدود.
ويعكس لجوء إسلام آباد إلى الإعلان عن اعتقالات أمنية قبيل زيارات رفيعة المستوى إلى واشنطن عمق التشابك الإقليمي للملف الأمني. ففي الأيام الأخيرة تم الإعلان عن القبض على سلطان عزيز عزام، أحد أبرز قادة «داعش – ولاية خراسان» في باكستان، وكذلك شخص يُدعى شريف الله، الذي قُدم على أنه من المشاركين في الهجوم على مطار كابل أثناء انسحاب القوات الأمريكية. وبالنظر الى عمليات جدلية وتصفيات في مدن مثل كراتشي وبيشاور مؤخرا ، يؤكد أن الملف الأمني يتداخل مع الحسابات السياسية الدولية.
وقد أشارت تحليلات مركز ويلسون سنتر إلى دعم جهاز الاستخبارات الباكستاني (ISI) لحركة طالبان ضمن حسابات استراتيجية إقليمية، حتى أثناء مشاركة باكستان في التحالف الدولي ضد الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. كما يؤكد تقرير معهد السلام الأميركي استمرار تهديدات هذه التنظيمات من باكستان وأفغانستان، مع الحاجة إلى سياسات دولية متوازنة للتعامل معها.
وتظهر تقارير 2025 تناقضاً في السردية الأمنية، يتمثل في توازي خطابين يصعب التوفيق بينهما: الأول يشير إلى انخفاض العمليات العسكرية الكبرى في أفغانستان وتحقيق تقدم ملحوظ في الاستقرار و مكافحة المخدرات ، والثاني يحذر من تنامي خطر التنظيمات العابرة للحدود، مثل «داعش – ولاية خراسان» و«القاعدة»، مع احتمال تحوّل أفغانستان إلى بيئة جاذبة لنشاطها الإقليمي، وهو ما يعكس تعدد المرجعيات داخل منظومة الأمم المتحدة وتأثير القوى المغرضة.
خامساً: توازنات واشنطن السياسية
تتبنى واشنطن مقاربة دبلوماسية متوازنة تجاه أفغانستان، تهدف من خلالها إلى المواءمة بين حث السلطات الأفغانية على تنفيذ إصلاحات هيكلية في مجال الحقوق والحريات، وبين الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية والاستقرار في جنوب آسيا. وفي هذا الإطار، تُستثمر التقارير الأممية كأداة تقييم تعتمدها الإدارة الأمريكية، مع ملاحظاتها الخاصة، لقياس مستوى الانخراط الدولي وفق مدى التزام كابول بالمعايير العالمية، وهو ما يعكس رؤية واقعية ترى في آليات الأمم المتحدة أدوات للمتابعة والتقويم ضمن سياق جيوسياسي أوسع.
الخاتمة
استمرار اعتماد منهجية «إدارة التداعيات» دون معالجة الجذور البنيوية للأزمات الأمنية والحقوقية لايضعف مصداقية التقارير الأممية فحسب، بل يقلص قدرة المجتمع الدولي على فهم الواقع الأفغاني بشكل شامل. في عام 2025، لم يعد تقييم الأوضاع في كابول مجرد تقرير روتيني، بل أصبح اختباراً لقدرة الأمم المتحدة على إنتاج معرفة مستقلة، فيما يفقد المنهج الانتقائي أي اعتبار عملي، ويبرز في الوقت ذاته الدور الحاسم لتوازنات واشنطن في إدارة الملف الأفغاني بما يخدم الأمن والاستقرار الإقليميين.