
التقارب السوري الأميركي (déjà vu)؟
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
واشنطن – رسالة المحرّر
بقلم مرح البقاعي
لم يكن لقاء الرئيس دونالد ترامب، صانع الصفقات العتيد، والرئيس السوري أحمد الشرع – القائد الجهادي السابق – في أول زيارة من نوعها إلى البيت الأبيض، مجرد استعراضٍ لالتقاط الصور؛ بل كان نقطة تحولٍ مفصلية إثر عقود من التنافر بين العاصمتين دمشق وواشنطن، وذلك في أعقاب الإطاحة بالأسد وصعود الشرع بسرعة ضوئية إلى سدة الحكم.
قمة ترامب والشرع في أروقة البيت الأبيض في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، والمصافحة الودية وتبادل الهدايا والنكات الظريفة، رسمت معالم دبلوماسية جديدة مع دولة سوريا الوليدة كحجر أساس في الشرق الأوسط الجديد كما يراه الرئيس ترامب.
مع انضمام سوريا إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في حربها على داعش، وما نشرته جريدة نيويورك تايمز عن التعاون القائم بين الشرع وقوات التحالف في حرب داعش بصورة سرية منذ العام 2016 وتنازل واشنطن عن عقوبات قيصر بتعليقها لمدة 180 يوماً، ما يُشير إلى إعادة ضبط العلاقة بين البلدين، ولكن هل يُبشر هذا اللقاء الاستثنائي بكل مافي الكلمة من معانٍ ببدئ شراكة حقيقية في مكافحة الإرهاب والحث على حماية الأقليات والدعم الناجز للاستقرار، أم أنه مجرد مقامرة أميركية عالية المخاطر؟
إذا حاولنا قراءة الديناميكيات المتسارعة إثر هذا اللقاء، نستطيع أن نقول إنه في قلب انقلاب الفصول هذا و”عطر” براعمه، تكمن آفة تمدّد الإرهاب. إلا أن الشرع الذي كان يُصنّف إرهابيًا من قِبل الولايات المتحدة وقائد هيئة تحرير الشام (HTS)، أمضى وقتاً ليس يسيراً وهو يُعيد صياغة هويته، وقام بحل الميليشيات، وملاحقة فلول تنظيم القاعدة، والتعهد بعدم التسامح مطلقًا مع المتطرفين.
وقد أكدت إيماءات سيد المكتب البيضاوي السريعة والذكية خلال اللقاء، والتي ترافقت مع استفسارات مرتجلة حول حياة الشرع الشخصية (سأله ترامب كم زوجة لديك)، أكدت واقع الاقتراب الشخصي بين الرجلين إلى درجة اختصار المسافة بتسارع غير مسبوق بين طرفين كانا منذ أشهر على النقيض السياسي على الأقل. وبالتالي فإن انضمام سوريا بقيادة الشرع إلى التحالف الدولي ضد داعش، وهي خطوة قد تُعزز تبادل المعلومات الاستخباراتية والعمليات المشتركة ضد جيوب الدولة المتناثرة في صحراء سوريا، إنما يُقرأ بمفردات الواقعية السياسية التي تميّز سياسات ترامب، ولسان حاله يقول: لماذا نُموّل قوات خارجية وغريبة عن إحداثيات الأرض بينما يُمكن لجهة إنفاذ محلية القيام بالعمل الشاق؟!
في هذا المقام يهمس المُشككون في إذن الرئيس ترامب بخبث وتردّد! فمرجعية الشرع (في رأيهم) وإرث محيطه من فكر هيئة تحرير الشام المنحلّة، مُتجذر؛ وأية انتكاسة جهادية قد تُحوّل هذا التحالف إلى حالة مُدمرَّة أو مدمَّرة (حيث تجوز الحالتين بفتح الميم وكسرها). هؤلاء الهامسون يحاكون في تشككهم التجربة الأفغانية وارتدادات جماعة طالبان. أما فيما يتعلق بحقوق الأقليات من الكرد والمسيحيين والدروز والعلويين وحمايتهم، فإنهم يشون بتفاؤل حذر وسط مؤشرات على استمرار النواقص والثغرات في معالجة هذا الملف الداخلي الأهم لجهة استقرار سوريا ووحدة شعبها وأرضها أيضاً. فهل تصبح قضايا الأقليات المحقّة والتي بوابتها تحقيق العدالة الانتقالية والقصاص من مرتكبي الانتهاكات ورقةَ مساومة في عملية ترسيخ السلطة؟ أم أن رفع العقوبات التي يراهن عليها الشرع لتحقيق الاستقرار في سوريا وقد مزقتها الحرب هو المحك الحقيقي لخروج سوريا من عنق الزجاجة؟
إذا ما نجح الشرع في تجاوز هذه التحديات الغير يسيرة، فسيستقرّ له الأمر وإلا، سنعود إلى مستنقعات الفوضى. فقمة الأمس ليست حلاًّ سحرياً لمشكلات سوريا المتشابكة، بل رهانٌ جريءٌ على خلاص البلد بتمكين أميركي غي مسبوق. يُراهن الرئيس ترامب على أن تطور الرئيس الشرع عضوي وحقيقي، مُقايضًا عزلة بلاده في عهد الأسدَين الأب والابن بشراكة أميركية حقيقة ونافذة. وهذا الباب المفتوح على مصراعيه للعلاقات السورية الأميركية، سيُمثل مدخلاً زاخرًا بالفرص، لكنه مُحاط بالمفاجآت.
فصل المقال يكمن في رياح الصحراء المتقلّبة.. فإذا انحسر الإرهاب، وتواءمت واصطلحت الأقليات مع الدولة الجديدة، وترسّخ الاستقرار، قد تتمكّن سوريا ليس من تعريف المرحلة وحسب، بل رسم مستقبلها أيضاً. أما إذا فشلت التجربة، فسيكون الأمر بجلّه déjà vu أو تحالفاً ظرفياً آخر مبني على الرمال!
ورياح الصحراء غادرة!