آخر التحديثاتأبرز العناوينثقافات

البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو: حين يصبح الكلب مرآة لإنسان ضائع

الاستماع للمقال صوتياً

القاهرة – ثقافات

أحمد المسيري

عنوان الفيلم هنا يُذكرنا بواحد من أيقونة أفلام الأكشن الأمريكية، وهو فيلم “رامبو”، الجندي الأسطوري الذي جسد دوره نجم الأكشن الأمريكي “سيلفستر ستالوني”، تلك الشخصية لم تكن مجرد بطل سينمائي عادي، ولكنها أثرت في خيال أجيال كاملة تمنت أن تصبح مثلها، مثلما أثرت في بطل الفيلم “حسن”، الذي ظل أسيراً لتلك الصورة البطولية المحملة بذكرياته مع والده وهو صغير، ولكن المفارقة هنا أن “رامبو” لا يطل علينا كمحارب أسطوري لا يقهر مثلما اعتدنا أن نراه، بل ككلب يعكس صورة صاحبه وانكساره الداخلي، شخص منهك مثقل بالذكريات، فكلاهما مهمش ومحاصر، كلاهما يتمنى أن يجد منفذ للخلاص من عالم قاسي لا يرحم، ف”رامبو” في النسخة المصرية، لم يعد رمزاً للقوة والانتصار، بل للمعاناة والخذلان.

يعد هذا العمل أول تجربة إخراجية لفيلم روائي طويل لمخرجه خالد منصور، وتدور أحداث الفيلم حول “حسن” الذي جسد دوره “عصام عمر” شاب في بداية الثلاثينات من الطبقة الوسطى، يعيش مع والدته “ألطاف” وجسدت دورها “سما إبراهيم”  بعد أن رحل عنهما والده وهو طفل، ُويُعتبر كلبه “رامبو” رفيقه الوحيد، ويرضى “حسن” بحياته البسيطة دون شكوى أو تذمر حتى يقرر “كارم” وجسد دوره “أحمد بهاء” أن يطردهما من سكنهم البسيط ليقوم بتوسيع ورشته.

 يحاول “كارم” طوال الوقت فرض قوته وسيطرته عليهم، وفي إحدى المرات أثناء مضايقة “كارم” ل”حسن” والتعدي عليه بالضرب يقوم “رامبو” بالدفاع عن صديقه “حسن” وعضً “كارم”، مما يتسبب في أذى جسدي فادح له، فيقرر الأخير الانتقام ويصر على أن يقوم “حسن” بتسليم كلبه “رامبو” له ليقتله، ويؤيده في ذلك كبير المنطقة أثناء جلسة عرفية لحل المشكلة.

عوالم ضيقة وخانقة

يظهر عالم “حسن” محدود، شقة صغيرة ضيقة تأويه هو ووالدته وكلبه، كُشك صغير مقر عمله كحارس أمن (Security)، دراجة نارية بسيطة وسيلة انتقاله ذات صندوق صغير يسع لكلبه “رامبو”، كلها عوالم تشعرنا بالقيد والمحدودية، وكأننا في قفص كبير مقسم إلى أقفاص أصغر متعددة، من ناحية أخرى وجود “حسن” دائماً في الكادر، وكأنه معزول وسط فراغ بصري متعمد، في دلالة على وحدته وإحساسه بالاغتراب والتهميش، وكأن المدينة لفظته عنها، فعوالمه خانقة، والفضاءات حوله محدودة بلا أفق، تعكس واقع فرد من المهمشين مكبلاً بضعفه وقلة حيلته.

المهمشون في مواجهة القطيع الوحشي للمدينة

يبدأ الفيلم بمشهد افتتاحي دموي لقطيع من الضباع يمزقون الفريسة بوحشية، ثم يتسع الكادر ليظهر “حسن” و”رامبو” يلعبان معاً بسعادة وأمان، في مفارقة وكأنه تمهيد لما سيعيشه “حسن” وصديقه “رامبو” في عالم البشر الذي قد يتفوق على عالم الحيوان في الوحشية والقسوة، فحسن هنا ليس إلا فريسة للضباع المفترسة، شاب متعلم تأخر في سن الزواج، لم يستطع الزواج من حبيبته “أسماء” والتي أدت دورها “ركين سعد”، بسبب ظروفه المادية الصعبة، وحيد بلا سند، أو وظيفة مستقرة تُأمن حياته، ينتقل بين وظائف بسيطة مؤقتة، مستقبله ضبابي، لا يملك إلا الإستسلام لواقعة المؤسف، لأنه حتى رفض الواقع والتمرد رفاهية لا يمتلكها، يستمع إلى التسجيلات الصوتية لوالده وهو يغني له أغنية المطرب “محمد منير” شجر الليمون دبلان على أرضه، والمقطع الشهير فيها ( وكل شيء بينسرق مني العمر من الأيام، والضي من النني)، وكأنه تناص للصوت الداخلي لمعاناة البطل، ورغم أن القصة هنا خاصة بحسن، إلا أن المعاناة مشتركة بينه وبين العديد من المهمشين والضعفاء العُرضة للإفتراس والالتهام بلا رحمة في مدينة يسود فيها قانون القوة، فحسن هنا رمزية لكل المهمشون، والأغنية ليست إلا صدى لشقائهم وتجسيد لألامهم، وأحلامهم البسيطة الضائعة.

الأسطورة والانعكاس الحيواني

منذ آلاف السنين آمن البشر بأسطورة أن لكل إنسان نظير حيواني يعتبر انعكاساً له، وانتشرت هذه الفكرة على مستوى ثقافات متعددة وأمتدت لقرون من الزمن، وأطلق عليها Animal Totem.

 عند مشاهدتنا للفيلم سنجد أن “رامبو” ليس مجرد كلب يرعاه “حسن”، أو رفيق عادي، ولكنه إنعكاساً له، فهو كلب مسالم، هادئ، مخلص، ولكنه قادر على التحول لكلب شرس في سبيل الدفاع عن صاحبه “حسن”، وفي المقابل سنجد أن “حسن” كان أيضاً وفياً لرامبو، رفض التخلي عنه مثلما تخلى والد “حسن” عن حسن وأمه ورحل وهو صغير، يسعى “حسن” لإنقاذ “رامبو” من القتل على يد البلطجي “كارم”، وفي الفصل الأخير من الفيلم حدث تحول درامي، فظهرت النسخة الشرسة من “حسن” وقرر أن يتصدى ل”كارم” ويلجأ للعنف، وكأنه الانعكاس البشري لرامبو، ولم يأت هذا التحول اعتباطاً ولكنه نتيجة لزيادة وعي “حسن” بحقيقة وحدود واقعة القاسي.

رؤية بصرية وأداء تمثيلي منقذان للإيقاع المثقل بالواقعية

رغم الإيقاع البطيء المُلاحظ للفيلم والذي قد يُثقل أحياناً على المتفرج، ويعكس تأثر وإنغماس المخرج في الواقعية، لكنه كان معبراً عن ثقل حياة البطل وصعوبتها، وأيضاً الدخول المفاجئ ل”كارم” في (الشلتر) بدون أي رابط درامي يسبقه جعل اللقطة كأنها دخيلة على المشهد، رغم ذلك يُحسب لصناع العمل التوظيف الذكي للأدوار حسب طبيعة الشخصيات، وكان الأداء التمثيلي لجميع فريق التمثيل أحد عوامل قوة العمل، فجاء الدور الذي قدمه “أحمد بهاء” لشخصية “كارم” بمثابة مفجأة حقيقية بأداء متقن ومقنع، وفي المقابل الظهور المحدود والقصير للفنان “حسن العدل” في دور عم البطل “حسن” بأداء سلس وعفوي عبر فيه عن لحظة فارقة في السرد الدرامي، وأغلق الباب الأخير للأمل أمام “حسن”، مؤكداً على الانهزامية وقلة الحيلة، وأن “حسن” سيظل وحيداً بلا سند حقيقي.

 وقد نجح الصُناع في استخدام لغة بصرية غنية بالرموز والدلالات، حيث لعبت هذه اللغة البصرية التي تميزت بالتكوين البصري المتقن، والتوظيف الجيد للإضاءة، دوراً كبيراً في صياغة لغة سينمائية مميزة، تحمل مزيج بين الواقعية والشعرية، وتجعل المشاهد في حالة من الانتباه واليقظة والتأمل.

 في النهاية رحلة “حسن” في البحث عن منفذ لخروج السيد “رامبو” ليست مجرد رحلة عابرة، ولكنها رحلة أوسع وأعمق، فهي رحلة كل شخص يبحث عن مكان يوفر له الأمان، والحياة الأدمية، هي رحلة تطرح علينا سؤالاً هاماً:

إلى متى يمكن أن نتمسك بإنسانيتنا حينما لا نجد منفذ لخروجنا من عالم قاسٍ لا يرحم؟

أحمد المسيري

باحث في علم الإجتماع السياسي والرأي العام ،والإعلام، كاتب وناقد سينمائي حاصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية، الجنسية مصري
زر الذهاب إلى الأعلى