آخر التحديثاتأبرز العناوينثقافات

فيلم 40 Acres: أربعون فداناً من العزلة

الاستماع للمقال صوتياً

القاهرة – ثقافات

بقلم أحمد المسيري

من أبرز سمات السينما الأمريكية تمتعها بالحرية التي تجعلها تحكي تاريخها، وتسرد فصولاً من الظلم والقسوة، دون الشعور بالخزي والإحراج، أو الخوف من المحاسبة من قبل السلطة، ومن هنا يأتي فيلم 40 Acres والذي لا يصنف فيلماً سياسياً ولكنه يحمل العديد من الرموز والدلالات السياسية.

40 فداناً ليس مجرد عنوان لفيلم، لكنه شعار يعيد إلى الأذهان حدثاً تاريخياً وذكرى سياسية في التاريخ الأمريكي، مرتبطة بالوعد الذي قطعته الحكومة الأمريكية بعد الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1865، وقد أرتبط هذا الوعد بمنح العبيد المحررين أربعون فداناً وبغلاً لكل عائلة، وسمي بنفس الاسم “40 Acres and a Mule”، وكان الهدف من ذلك تعويضهم عن معاناتهم في فترة العبودية من جهة، ومنحهم استقلالاً اقتصادياً بعيدا ً عن استعبادهم واستغلالهم من جهة أخرى، ولكن سرعان ما تم التراجع عن هذا الوعد بعد اغتيال الرئيس الأمريكي “إبراهام لينكولن”، وتم سحب الأراضي من الأسر السوداء البشرة، باستثناء بعض الأسر القليلة جداً منهم التي تمكنت من الاحتفاظ بالأراضي، فارتبط هذا الشعار بالخذلان والوعود غير الملباة.

قصة العمل
تدور أحداث الفيلم في أجواء ما بعد نهاية العالم، وندرة الغذاء، وفناء الحيوانات، حيث يلقي الضوء على عائلة فريمان والتي تتكون من الأم “هايلي فريمان” ذات الطبيعة الصارمة والتي كانت ضابطاً سابقاً في قوات الجيش وجسدت دورها “Danielle Deadwyler” وزوجها “جالين” الذي يعتز بأصول أجداده من السكان الأصليين لأمريكا والذي جسد دوره “Michael Greyeyes”، وأولادهم الأربعة الذي يكبرهم المراهق “إيمانويل” والذي جسد دوره “Kataem O’CONNOR”، يعيشون جميعاً في مزرعة منعزلة ومحاطة بأسلاك كهربائية، وتخضع إلى نظام مراقبة شديد من قبلهم خوفاً من تعرضها للهجوم من قبل أكلي لحوم البشر.
في ظل هذا العالم القاتم المحفوف بالمخاطر، تحاول “هايلي” وزوجها “إيمانويل” الحفاظ على عالمهما الصغير، فهي وأسرتها يزرعون أرضهم لتأمين الغذاء وتوفير قوت يومهم، يحاولان طوال الوقت حماية الأسرة والمزرعة من الهجمات الخارجية، في ظل نظام شديد ومحكم يقوم على العزلة، ورفض أي اختلاط أو تواصل مع الغرباء، ورغم صرامة القواعد التي تفرضها “هايلي” وزوجها “جالين” الذي يظهر أقل صرامة وأكثر انفتاحاً ومرحاً من زوجته، يسعيان إلى أن يظل عالمهما ينبض بالحب والتواصل بين أفراد الأسرة، وسط عالم ينهشه الخوف والقتل وتغمره الفوضى.

الابتعاد عن النمطية
من ميزات العمل كسره للصورة النمطية لآكلي لحوم البشر، تلك التي طالما ارتبطت بأفلام ما بعد نهاية العالم، حيث يُقدم آكلو لحوم البشر عادة على أنهم زومبيز (موتى أحياء)، وكائنات مشوهة متوحشة أشبه بالمسوخ والوحوش بلا وعي، أما فيلم 40 Acres قدم تصور أكثر واقعية ورعب لهم، فهم بشر عاديون مثلنا ولكنهم اختاروا أكل بني جنسهم وسلب ممتلكاتهم كوسيلة للبقاء، وفرض السلطة والسيطرة.

من جهة أخرى تم تصويرهم على أنهم جماعة من الجنس الأبيض، عكس التكوين العرقي لعائلة “فريمان” القائم على التنوع والاختلاف، فالأم “هايلي” سوداء البشرة، وزوجها “جالين” من السكان الأصليين، وأولادهم أيضاً منهم الأسود ومنهم الملون، ولا يأتي هذا التكوين اعتباطياً أو صدفة، بل قد يحمل رمزية لواقع سياسي عانت منه الولايات المتحدة الأمريكية في الماضي ونجحت في التخلص منه، وضع كان قائماً على التمييز العرقي والفصل العنصري بين أصحاب البشرة البيضاء، وجماعات أخرى كانت مقهورة تاريخياً، تسعى للحفاظ على حقوقها وأرضها من الالتهام.

أداء تمثيلي مميز وتصاعد درامي متقن
في ظل أجواء مشحونة بالصراع جاء الأداء التمثيلي المتقن ل “Danielle Deadwyler”، وكان أحد العوامل لخلق حالة من التوحد مع العمل والإحساس بالتوتر والخطر، ورغم أن Danielle كانت محور العمل الرئيسي، لكن لا نستطيع أن نغفل عن أداء “Kataem O’CONNOR”، الذي قام بدور أبنها المراهق وكان المحرك الرئيسي في الصراع الداخلي في الفيلم، فالصراع لم يكن فقط مع آكلي لحوم البشر خارج الأسلاك الكهربية للمزرعة، بل كان يتمثل أيضاً في تمرد الابن على القوانين الصارمة، ومحاولاته الدائمة للتواصل مع الجماعات الأخرى، سواء للمساعدة في أعمال المزرعة وتجنب تلف المحاصيل التي تنقصها أيدي عاملة، أو على المستوى الإنساني القائم على احتياج الإنسان للتواصل مع الآخر وكسر العزلة.

رغم كثرة الأعمال التي تدور حول أحداث ما بعد نهاية العالم، لكن فيلم 40 Acres حاول على قدر الإمكان تجنب الوقوع في فخ التكرار، سواء عن طريق كسر الصورة النمطية لآكلي لحوم البشر كما ذكرنا في السابق، أو في طريقة سرد القصة والأحداث، فلم يظهر آكلو لحوم البشر إلا في الثلث الأخير من العمل، وقد أدى ذلك إلى زيادة شحن أجواء الفيلم بالتوتر.

من فخ العزلة إلى ولادة الجماعة
طوال العمل كانت عائلة “فريمان” متبنية مباديء صارمة قائمة على العزلة ورفض الغرباء وفرض الحصار الداخلي، ويرجع ذلك إلى الخوف من الآخر وتخوينه، وقد تعدى الخوف مع هذه العائلة خاصة الأم من مجرد مبدأ إلى عقيدة، فالعزلة هي السبيل للنجاة، ولكن مع تصاعد الأحداث وعندما أيقنت العائلة أن الخطر قد يصل إليهم بسهولة مهما حاولوا تأمين أنفسهم، وأن النجاة لا تتحقق فقط بالعزلة ورفض الآخر، حدث تحولاً جذرياً، وقررت العائلة كسر دائرة العزلة والقبول بالغرباء والتعاون معهم، ويحمل هذا التحول رمزية لها دلالة شديدة الأهمية تذكرنا بالبدايات الأولى لتكوين المجتمعات المنظمة، والتي بدأت بأسرة ثم عشيرة ثم قبيلة ثم تحالفات مجموعة قبائل وصولاً إلى الشكل الذي نعرفه اليوم من الدول المنظمة، وكأن العمل يقدم رسالة ضمنية بأن الأمان الحقيقي يتحقق بالتعاون مع الآخر.

الأفلام مر[ة الذاكرة
40 Acres عمل جيد، ولكن أكثر ما يميزه هو الرمزيات والدلالات التي قدمها بطريقة غير مباشرة، ففي وقت تنتشر فيه الحروب، ويعيد إنتاج الانقسامات، يقدم لنا العمل طرحاً بسيطاً وواقعياً عن كيفية النجاة وسط الأزمات، والتي لن تتحقق دون قبول الاختلافات، والاتفاق على الحد الأدنى من المصالح الجماعية، وإعادة النظر للآخر باعتباره شريكاً وليس خطراً.

أحمد المسيري

باحث في علم الإجتماع السياسي والرأي العام ،والإعلام، كاتب وناقد سينمائي حاصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية، الجنسية مصري
زر الذهاب إلى الأعلى