
غواية الظلمة: لماذا ننجذب إلى أشرار السينما؟
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
القاهرة – ثقافات
بقلم أحمد المسيري
رغم أنه من الصعب، ومن الجيد، أن تكون شخصًا طيبًا، لكن مع الأسف لا يتمتع الأشخاص الطيبون بالجاذبية نفسها التي يتمتع بها الأشرار، ولا يصنعون دائمًا قصصًا مشوقة مثلهم.
منذ بداية الخليقة والإنسان يتوارث أكوادًا أخلاقية تجعله قادرًا على التمييز بين الخير والشر، فيميل إلى الخير ويحبه، وينفر من الشر ويبغضه، ولكن قد يبدو غريبًا أن نُعجب كبشر بشخصيات كسرت القوانين، وأثارت الفوضى، بل وسفكت الدماء، هذا ما يحدث في عالم السينما، فعدد غير قليل من الشخصيات الشريرة تحظى بشعبية وحب كبير من قبل الجمهور.
وقد كان الشرير في السابق مجرد معادل درامي للطيب، حيث يُتناول بسطحية لإبراز بطولة البطل الطيب وكإحدى العقبات التي يواجهها في رحلته الدرامية، أما اليوم، فأصبح الشرير شخصية مركبة ذات أبعاد درامية معقدة، وأصبح أكثر جاذبية، يتفاعل الجمهور معه، وفي كثير من الأحيان يثير تعاطفه.
وقد تبدلت النظرة إلى الشرير من كونه مسخًا أو وحشًا إلى كونه نسخة متطرفة منا، فالإنسان السوي لا يحب الشر في حد ذاته، ولكنه قد ينجذب إلى الشخص الذي يعبر بجرأة عن الجانب المظلم الكامن بداخله، ويعكس التمرد والسخط والغضب الذي يخفيه، فأولئك الأشرار استطاعوا مواجهة العالم غير متواريين خلف أقنعة الأخلاق والفضيلة، متصالحين مع جانبهم المظلم، لا ينتظرون رضا أحد، فأصبحوا أقرب إلى الحقيقة من الأبطال المتصنّعين أو أصحاب المثالية غير المُقنعة.
فما الذي يجعلنا ننجذب إلى الشخصيات الشريرة ونحبها؟
في السطور التالية نحاول تفكيك بعض الأسباب، مستشهدين ببعض النماذج الشهيرة من السينما والدراما، وذلك عبر المحاور التالية
- وجود دوافع واضحة للشر
عندما يكون العنف نابعًا من دوافع وظروف واضحة، مثل الدفاع عن النفس أو الانتقام بسبب غياب العدالة، وليس مجرد رغبة شخصية في الفوضى والقتل والتدمير، يستطيع المشاهد أن يتفاعل مع الشخصية الشريرة.
فعلى سبيل المثال “John Wick” بطل سلسلة الأفلام الأمريكية التي تحمل الاسم نفسه، والذي يُعتبر آلة قتل وتدمير تمشي على قدمين، عاد إلى عالم الجريمة وخاض حربًا دموية للانتقام لمقتل كلبه، الذي كان آخر ما تبقى له من زوجته الراحلة التي كان يحبها.
“Thanos” أقوى أشرار سلسلة أفلام “Avengers” الأمريكية الشهيرة من عالم “MARVEL”، كان صاحب رؤية فلسفية مبنية على التوازن الكوني، حيث سعى إلى التخلص من نصف الكائنات الحية للحفاظ على الموارد النادرة، ليعيش النصف الآخر حياة مثالية، فلم يولد منطقه المجنون هذا من فراغ، بل بُني على تجربة ذاتية، حيث انتهى كوكبه “تايتان” بسبب الاكتظاظ السكاني.
شخصية “إبراهيم الأبيض” في الفيلم المصري الذي يحمل الاسم نفسه، اتجه إلى عالم العنف والقتل والبلطجة مضطرًا بعد مقتل والده بدمٍ بارد أمام عينيه وهو طفل على يد بلطجي، إضافة إلى البيئة القاسية التي نشأ فيها، والتي تعتبر العنف والبلطجة لغة التواصل الأولى.
فالأشرار في الحالات السابقة ليسوا مجرد أشرار عبثيين، ولكن لديهم دوافعهم ومبرراتهم المنطقية للشر.
- التحلي بالمبادئ رغم الإجرام
ربما يكون من الصعب الاعتراف بأن الشرير الذي يمتلك مبدأ واضحًا أكثر صدقًا واتساقًا من الطيب المتذبذب المبادئ أو عديم الشرف.
فلم نجد “إبراهيم الأبيض”، رغم إجرامه ودمويته، يقوم بالسطو على المنازل، أو السرقة بالإكراه، أو فرض الإتاوات على الباعة أو المارة، ولكنه كان يستخدم إجرامه في الدفاع عن نفسه وعن تجارته غير المشروعة القائمة على ترويج المخدرات.
“جون ويك”، أخطر قاتل في العالم، يرفض قتل الأبرياء، أما “Harry Da Souza” بطل المسلسل البريطاني الشهير Mobland والذي يتمحور دوره حول حل أزمات عائلة “هاريغان” الإجرامية والدفاع عنها، لم يتورط في قتل من لا يستحق. حتى “Thanos” لم يكن قاتلًا منحرفًا، بل لكل منهم قوانينه ومبادئه الخاصة والواضحة، فعنفهم وشرهم لا يُمارسان إلا في نطاق عالمهم المظلم القائم على الصراع الدموي العنيف.
- الإخلاص والوفاء لمن يحبونهم
من المفارقة أن هؤلاء الأشرار يتمتعون بصفات مثل الإخلاص والوفاء أكثر من الطيبين، فرغم قسوة عالمهم وافتقارهم للإحساس بالأمان، يسعون بكل طاقتهم لتوفير هذا الإحساس لأحبائهم، وكأنهم يحاولون منح ما افتقدوه لغيرهم، وبذلك يثبتون أن فاقد الشيء قد يعطيه، بل ويعطيه بقوة.
وبالقياس على نفس النماذج الشريرة، سنجد أن “جون ويك” ابتعد تمامًا عن عالم الجريمة حفاظًا على زوجته، وظل مخلصًا لها حتى بعد وفاتها، ولم يعد إلى طبيعته الوحشية إلا للانتقام ممن قتلوا كلبه الذي أهدته زوجته له قبل موتها.
” Harry Da Souza” ظل مخلصاً لعائلة هاريجان التي يعمل لديها ولم يتخلى عنها ولا عن صديقة “كيفن هاريجان”، رغم الإغراءات العديدة التي عُرضت عليه من منظمة إجرامية تفوق قوة عائلة هاريجان بمراحل، وأستمر في الرفض رغم التهديدات التي تعرض لها في حالة عدم قبولة العمل معها، ومن ناحية آخرى كان زوجاُ مخلصاً لزوجته وأباً عطوفاً على أبنته، رغم رفضهما لتصرفاته وسلوكه.
“ابراهيم الأبيض” أحب “حورية” بصدق وظل مخلصاً لحبه لها، ووفياً لصديقة “عشري” والذي خانه في النهاية.
“Thanoas” أخلص في حبه ل“جامورا” وأعتبرها كأبنته ولم يضحي بها إلا بسبب هدفه الذي كان مؤمناً به، ويراه هدفاً سامياً من وجهة نظره.
الخلاصة:
نحن لا ننجذب لهذا النمط من الأشرار بسبب أفعالهم، لكن لأنهم يواجهون العالم بلا أقنعة، ننجذب لهم لأنهم لا يدعون المثالية ولا يتظاهرون بالصلاح، بل يواجهون العالم بحقيقتهم وقوانينهم الخاصة الواضحة، نحن نعلم خطوطهم الحمراء التي لا يجب تجاوزها، وهم يقدرون حدودنا طالما لم نتجاوز خطوطهم أو ننافسهم في عالمهم الدموي، هؤلاء الأشرار لم يخدعوننا مثلما فعل العديد من أصحاب الوجوه الطيبة، لم يطوعوا مبادئهم ويتلاعبوا بقيمهم ويقننوا بعض التصرفات التي تبدو في ظاهرها مشروعة، ولكنها تخفي نوايا خبيثة وفاسدة مثلما يفعل العديد من البشر، أعجبنا بشخصياتهم لأننا لمسنا فيهم صدقاً نادراً، ووفاء مؤلماً، ومعاناة تشبه التي نخفيها داخلنا، ورغم انجذابنا لهذه الشخصيات الشريرة ولكن سيظل الشر نفسه فعل قبيح لا يمكن تبريره، وأي تبرير له يعد إنحرافاً أخلاقياً ونفسياً، فالأشرار السابقين لم يجسدوا الشر بحد ذاته ولكنهم كشفوا هشاشتنا ولجوء العديد منا للكذب والخداع والخيانة واستغلال الغير لتحقيق مصالح شخصية، في النهاية نحن أحترمناهم لأنهم بشر ربما أكثر من الكثير من الوجوه الطيبة التي خذلتنا في الحياة.