آخر التحديثاتأبرز العناوينثقافات

أرزة… بين سرقة دراجة وغياب وطن

الاستماع للمقال صوتياً

ثقافات البيت الأبيض بالعربية

بقلم أحمد المسيري

ليست المشكلة دائماً في أن نفقد شيئاً، بل في أن نكتشف ونحن نحاول استعادته، كم فقدنا من أشياء أكثر قيمة، وأن ليست كل الأشياء التي فقدناها قابلة للاستعادة أو التعويض.

 يبدو فيلم “أرزة” حكاية لبنانية، لكنها ليست بعيدة عنا، فهموم البشر وأوجاعهم لا تعترف بالحدود، خاصة عندما تتشابه مخاوفهم رغم اختلاف الأوطان، ويفجر الفيلم العديد من التساؤلات حول الهوية والانتماء، وعلاقة الإنسان بالوطن، وعن تلك اللحظة التي يصبح فيها الرحيل هدفاً، والبقاء معاناة، والانتماء سؤالاً مفتوحاً لم يجد إجابة بعد في ظل واقع قاسٍ يغتال الأحلام، ويعجز عن منح يقين أو أمل في المستقبل، حينها يظل سؤال واحد عالقاً: هل يكفي أن يعيش الإنسان في وطن كي يشعر بأنه ينتمي إليه؟.

من شوارع بيروت إلى المهرجانات الدولية… رحلة تتجاوز الحدود

استطاع فيلم “أرزة” أن يعبر حدود لبنان ليشارك في عدد من المهرجانات الدولية خلال عام 2024، من بينها مهرجان بكين السينمائي الدولي، ومهرجان تريبيكا بالولايات المتحدة الأمريكية، ومهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الخامسة والأربعين، حيث فاز بجائزتي أفضل سيناريو وأفضل أداء تمثيلي في مسابقة آفاق السينمائية العربية، واختير لتمثيل لبنان في المنافسة على جوائز الأوسكار ضمن فئة أفضل فيلم روائي دولي في دورته السابعة والتسعين لعام 2025، ويُعد “أرزة” أول التجارب الروائية الطويلة للمخرجة ميرا شعيب، والفيلم من تأليف لؤي خريش، وفيصل سام شعيب، وبطولة دياموند بوعبود، وبيتي توتل، وبلال الحموي.

تبدأ الحكاية ببيت يبدو مستقراً رغم الاضطرابات التي تحيط به في شوارع بيروت، حيث تعيش “أرزة” الأم العزباء مع ابنها “كنان” وشقيقتها “ليلى”، ويعتمد مصدر دخل الأسرة الصغيرة بشكل مباشر على بيع الفطائر التي تصنعها أرزة، ويعد توصيل الطلبات سيراً أحد المعوقات الأساسية أمام “أرزة” وابنها، فتقرر شراء دراجة نارية له في عيد ميلاده الثامن عشر لتيسر عليه شقاء العمل، وتلجأ إلى رهن سوار أختها “ليلى” لتدفع مقدم الدراجة النارية، وأثناء احتفال “كنان” بعيد ميلاده مع أصدقائه تُسرق الدراجة النارية، وتتصاعد الأحداث عندما لا يجد الاثنان مساعدة أو اهتماماً من الشرطة، فتقرر “أرزة” البحث عنها برفقة ابنها، فينتقلان بين جماعات ومناطق تتباين فيها الهويات الطائفية والانتماءات. 

الدراجة في فيلم “أرزة” ليست مجرد وسيلة عمل، بل تمثل أملاً لأم تحلم بفتح مطعم لتمنح ابنها حياة أفضل وأكثر استقراراً في بيروت، بينما المفارقة أن الابن نفسه يفكر في الهجرة إلى أوروبا هرباً من بيروت، فما تراه الأم فرصة للبقاء والعمل يراه الابن مرحلة من حياته يحاول تجاوزها، هذه المفارقة لا تعبر عن مجرد خلاف بين جيلين ينظر كل منهما للمستقبل برؤية مختلفة، بل تفجر سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل يكفي أن يجد الإنسان وسيلة للعيش كي يشعر بالاستقرار في وطنه؟

بيروت… حين تصبح الهوية بطاقة مرور

تكمن قوة السينما وتأثيرها حين تجعلنا نرى الواقع دون حاجة إلى تفاصيل مطولة أو معرفة مسبقة بخلفياته، ففي “أرزة” لا يحتاج المشاهد إلى أن يكون ملماً بالواقع السياسي اللبناني، أو تاريخ الانقسامات، لكنه يستطيع أن يفهم حجم المشكلة من رحلة “أرزة” التي تغير مظهرها واسم ابنها حسب الحي الذي تدخله والجماعة التي تتعامل معها، فترتدي الحجاب عندما تذهب لسؤال تاجر في الحي السني، وتعلق سيف ذي الفقار حول رقبتها عند الذهاب للحي الشيعي، وترتدي الصليب للتعامل مع الموارنة، هذه المحاولات تكشف عن واقع مرير لا يبدو فيه الانتماء إلى نفس الوطن كافياً للتعامل مع الآخر في ظل ضيق الانتماءات واتساع الانقسامات.

من جهة أخرى يعكس الفيلم تأثير الأحداث السياسية العنيفة على أسرة “أرزة”، وما خلفته من صور متناقضة ومؤلمة تعكس غياب الوطن، فهو المكان الذي تنتمي إليه، ولكنه أيضاً المكان الذي ارتبط فيه مصير “أرزة” بالشقاء، وزوجها بالغياب، و”ليلى” بالمعاناة، ومنزلها بالهدم، وحبيبها “زين” بالاختطاف والسجن والموت، فتحول الوطن إلى مجرد مكان لم يعد قادراً على منح “كنان”  إجابات عن ماضيه، مثلما لا يمنح الشباب ضمانات لمستقبلهم.

تقدم شخصية “ياسمين” حبيبة “كنان” في الفيلم بعداً آخرلمشكلات الانتماء والمواطنة والهوية. تظهر “ياسمين” في البداية وتدفع “كنان” إلى التفكير في البقاء بدلاً من الرحيل، والمشاركة في الاحتجاجات، ولكن لاحقاً ومع تقدم الأحداث نجدها تفاجئ “كنان” بقرار الهجرة مع أسرتها إلى أوروبا، ورغم أن موقفها يبدو متناقضاً، فإنه يعكس واقعاً صادماً في بعض الدول العربية حيث يجسد العجز والمعاناة وقلة الحيلة، فالرغبة في تغيير المجتمع وإصلاحه ترتبط بشدة بشعور الخوف من مضِيً العمر سريعاً دون حدوث إصلاح، أو تطور الظروف نحو الأسوأ، فهجرة “ياسمين” هنا تقدم دليلاً كاشفاً عن الفجوة بين الرغبة في التغيير والقدرة على الفعل نفسه، والحاجة الملحة إلى حياة أكثر استقراراً.

من سخرية PK إلى واقعية أرزة

 يتقاطع فيلم “أرزة” مع الفيلم الهندي الشهير PK الذي عُرض في عام 2014، فكل منهما يبدأ بفقد شيء ضروري، مما يدفعهما إلى رحلة البحث التي تكشف تناقضات المجتمع، وتدفعنا لطرح تساؤلات لا يرغب المجتمع في الإجابة عنها، رغم تورطه فيها، ففي pk يفقد الكائن الفضائي جهاز الإشارة الخاص بسفينته الفضائية، وفي “أرزة” دراجة نارية، وبينما تكشف رحلة pk التناقض في الخطاب الديني، واستغلال رجال الدين لحاجة الناس وتوظيف العقائد للوصول للمال والسلطة وتحقيق مصالح شخصية، تقود رحلة “أرزة” و”كنان” إلى اكتشاف الهوة الاجتماعية والطائفية التي تفصل بين أفراد المجتمع في بيروت، والحواجز التي تفصل بين السلطة الحاكمة والشعب.

ورغم هذا التشابه ثمة فرق بين الرحلتين، فpk رغم مظهره البشري ولكنه كائن غريب بعيد عن عادات المجتمع ومعتقداته، حيث تكشف أسئلته العفوية البسيطة عن ممارسات خاطئة اعتاد الناس قبولها، أما “أرزة” فهي تفهم مجتمعها جيداً، وتدرك كيف يمكن للانقسام الطائفي أن يؤثر على أبسط المعاملات اليومية.

بين استعادة الدراجة واستمرار غياب الوطن

رغم انتهاء الرحلة الشاقة ل “أرزة” وابنها “كنان” بعد استردادهما دراجتهما المفقودة تبدو نهاية مُرضية، لكن هذا الانتصار الصغير يظل ضئيلاً بجانب المشكلة الأكبر، فاستعادة الدراجة لم تنهِ الانقسامات الطائفية، أو تقدم حلاً للمشكلات السياسية والاقتصادية، ولم تُعِد الأب الغائب، أو حبيب “ليلى” ومنزلها المحطم، أو تحسم قرار هجرة “كنان” والعديد من الشباب الراغب في الرحيل بسبب الأحلام المفقودة والانتماءات المتنازعة، وواقع لا يقدم أي ضمانات.  

فالقضية ليست دائماً في الاختيار بين البقاء والرحيل، بل في أن يعيش المرء في مكان تصبح فيه أبسط الاستحقاقات أحلاماً بعيدة المنال، ويغدو البحث عن الأمل نفسه سبباً كافياً للمغادرة.

أحمد المسيري

باحث في علم الإجتماع السياسي والرأي العام ،والإعلام، كاتب وناقد سينمائي حاصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية، الجنسية مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى