آخر التحديثاتأبرز العناوينمقال الرأي

استراتيجية واشنطن تجاه إيران: رهانات الاستنزاف

الاستماع للمقال صوتياً

كاليفورنيا – مقال الرأي

الدكتور عبيد الله برهاني

يمثل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران أحد ملفات الجغرافيا السياسية تعقيداً في النظام الدولي المعاصر، إذ لا يقتصر على خلاف ثنائي بين دولتين، بل يرتبط بصورة أوسع بمستقبل التوازنات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط، وطبيعة النظام الذي تشكل خلال العقود الماضية. فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979، دخلت العلاقات بين واشنطن وطهران مرحلة من التنافس الممتد، اتخذت أشكالاً متعددة تراوحت بين المواجهة السياسية، والعقوبات الاقتصادية، والضغوط الدبلوماسية، والصراعات غير المباشرة في ساحات إقليمية مختلفة.

ولا تنظر واشنطن إلى الملف الإيراني باعتباره قضية منفصلة، بل تراه جزءاً من منظومة أوسع تتعلق بأمن حلفائها، وأمن طرق الطاقة، ومنع انتشار الأسلحة النووية، والحفاظ على توازن القوى في الشرق الأوسط. لذلك اعتمدت الولايات المتحدة استراتيجية مركبة تجمع بين الضغط السياسي والاقتصادي، والعزل الدبلوماسي، وإدارة التحالفات، بهدف التأثير في سلوك طهران والحد من قدرتها على توسيع نفوذها الإقليمي.

أولاً: طبيعة الصراع وأبعاده المتعددة

يتميز الصراع الأمريكي الإيراني بتداخل أبعاد أيديولوجية وأمنية وجيوسياسية. فالولايات المتحدة ترى في السياسات الإيرانية الإقليمية تحدياً لبنية الأمن التي تسعى إلى المحافظة عليها في المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بعلاقات إيران مع القوى والجماعات الحليفة لها في عدد من الدول.

في المقابل، تنظر إيران إلى السياسة الأمريكية باعتبارها محاولة لاحتواء دورها الإقليمي ومنعها من التحول إلى قوة مؤثرة في محيطها الجغرافي. ولهذا أصبحت المنافسة بين الطرفين تتجاوز الملف النووي أو الخلافات الثنائية، لتشمل النفوذ الإقليمي، ومستقبل التحالفات في المنطقة.

ومن هنا تعتمد واشنطن على استراتيجية الضغط المتدرج والاستنزاف طويل الأمد بدلاً من المواجهة العسكرية الشاملة، بهدف تقليص قدرة الخصم على المناورة دون الانجرار إلى حرب مفتوحة.

ثانياً: استراتيجية الضغط والاستنزاف

بنت الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية منظومة ضغط متعددة المستويات تجاه إيران، يأتي في مقدمتها الضغط الاقتصادي عبر العقوبات التي استهدفت قطاعات حيوية، خصوصاً الطاقة والمؤسسات المالية، بهدف تقليص الموارد التي تستخدمها طهران في سياساتها الداخلية والخارجية.

ولا تهدف هذه الإجراءات فقط إلى إلحاق ضرر اقتصادي مباشر، بل تسعى أيضاً إلى التأثير في قدرة إيران على تمويل مشاريعها الإقليمية ودفعها إلى إعادة تقييم خياراتها الاستراتيجية. فالهدف الأمريكي، وفق هذا المنظور، لا يتمثل بالضرورة في إسقاط النظام، وإنما في تعديل سلوكه وإجباره على تقديم تنازلات في الملفات محل الخلاف.

كما تستخدم واشنطن أدوات دبلوماسية لبناء توافقات دولية وإقليمية وتعزيز التعاون الأمني مع شركائها.

ثالثاً: البعد الإقليمي للمواجهة

لا تجري المنافسة الأمريكية الإيرانية داخل حدود إيران فقط، بل تمتد إلى ساحات إقليمية متعددة مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج العربي. ففي حين تسعى إيران إلى تعزيز نفوذها عبر شبكة من العلاقات والتحالفات، تعمل الولايات المتحدة على الحد من توسع هذا النفوذ والمحافظة على توازنات تمنع ظهور قوة مهيمنة في المنطقة.

ولهذا فإن جوهر الصراع لا يرتبط فقط بالبرنامج النووي أو العقوبات الاقتصادية، بل يتعلق بصورة أعمق بمستقبل النظام الإقليمي. فإيران تسعى إلى تثبيت موقعها كقوة إقليمية مركزية، بينما تعمل واشنطن على حماية نفوذها ونفوذ شركائها ومنع تغيير موازين القوى القائمة.

رابعاً: رهانات واشنطن من استراتيجية الضغط

تقوم الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران على مجموعة من الرهانات المتداخلة، لا تقتصر على إجبار طهران على تغيير بعض سياساتها، وإنما تتعلق بإعادة ضبط التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تدرك أن إيران تمتلك حضوراً تاريخياً وجغرافياً مهماً، وأن التعامل معها يحتاج إلى سياسة طويلة الأمد تجمع بين الضغط والحوار والردع.

وان احد أهم الرهانات الأمريكية في الحد من قدرة إيران على توسيع نفوذها الإقليمي، خصوصاً عبر دعم حلفاء وشركاء محليين في عدد من الدول. كما تراهن واشنطن على أن الضغوط الاقتصادية والسياسية قد تدفع القيادة الإيرانية إلى مراجعة بعض خياراتها الاستراتيجية.

ويتمثل أحد رهانات واشنطن أيضاً في تحويل الضغوط الخارجية المتراكمة إلى عوامل إنهاك داخلي، عبر خلق بيئة اقتصادية واجتماعية وسياسية أكثر هشاشة قد تعزز المطالب الداخلية بمراجعة السياسات القائمة وتفتح المجال أمام تحولات وتغييرات تدريجية محتملة. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة انهيار الدولة الإيرانية أو تفكك مؤسساتها، نظراً لما تمتلكه من عمق مؤسسي وأمني وقدرة على التكيف.

خامساً: البعد الدولي وحدود القوة

لا يمكن فهم الصراع الأمريكي الإيراني بمعزل عن المنافسة الدولية الأوسع، مع تنامي أدوار الصين وروسيا. فإيران تسعى إلى تطوير علاقاتها مع القوى المنافسة للولايات المتحدة لتقليل تأثير الضغوط المفروضة عليها، بينما ترى واشنطن أن إدارة هذا الملف جزء من صراع أوسع حول النفوذ الدولي ومستقبل التوازن بين القوى الكبرى.

ورغم امتلاك الولايات المتحدة أدوات قوة كبيرة، فإن سياسة الضغط تواجه تحديات واضحة، إذ أظهرت إيران قدرة على التكيف مع العقوبات وإعادة بناء شبكاتها الاقتصادية والسياسية. كما أن استمرار الضغوط القصوى قد يحمل مخاطر التصعيد غير المحسوب في منطقة تعاني من أزمات متعددة.

خاتمة

يمثل الصراع الأمريكي الإيراني نموذجاً للمنافسات الدولية الحديثة التي لا تُدار فقط عبر الحروب التقليدية، بل من خلال مزيج من الأدوات السياسية والاقتصادية والأمنية والدبلوماسية. فواشنطن لا تخوض مواجهة محصورة داخل الحدود الإيرانية، وإنما تدير صراعاً أوسع يتعلق بمستقبل التوازن الإقليمي ومكانتها الدولية.

وفي المقابل، تسعى إيران إلى الحفاظ على نفوذها وتعزيز قدرتها على مقاومة الضغوط. ولذلك سيبقى مستقبل هذا الصراع مرتبطاً بقدرة الطرفين على إدارة التوازن بين القوة والمصالح والحدود الواقعية للنفوذ، مما يجعل الملف الأمريكي الإيراني أحد الملفات تأثيراً في مستقبل الشرق الأوسط.

د. عبيد الله البرهاني

أكاديمي وكاتب سياسي أميركي من أصل أفغاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى